أبي بكر جابر الجزائري
400
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : يقول تعالى منذرا قريشا أن يحل بها ما حل بغيرها ممن أصروا على التكذيب والعناد وَكَمْ قَصَمْنا أي أهلكنا وأبدنا إبادة كاملة مِنْ قَرْيَةٍ « 1 » أي أهل قرية كانَتْ ظالِمَةً أي كان أهلها ظالمين بالشرك والمعاصي والمكابرة والعناد ، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ هم خير من أولئك الهالكين . وقوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسُّوا « 2 » بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ أي فلما أحسّ أولئك الظالمون بَأْسَنا أي شعروا به وأدركوه بحواسهم بأسماعهم وأبصارهم إِذا هُمْ مِنْها من تلك القرية يركضون هاربين فرارا من الموت . والملائكة تقول لهم توبيخا لهم وتقريعا : لا تَرْكُضُوا هاربين وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ نعمتم فيه من وافر الطعام والشراب والكساء والمسكن والمركب لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ على العادة عن شيء من أموركم وأمور دنياكم ، « 3 » فكان جوابهم ما أخبر تعالى به عنهم : قالُوا يا وَيْلَنا أي يا هلاكنا أحضر هذا أو آن حضورك إنا كنا ظالمين أنفسنا بالشرك والمعاصي والتكذيب والعناد . قال تعالى : فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ أي ما زال قولهم يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ تلك دعوتهم « 4 » التي يرددونها حَتَّى جَعَلْناهُمْ « 5 » حَصِيداً خامِدِينَ أي مجتثين من أصولهم ساقطين في الأرض خامدين لا حراك لهم كالنار إذا أخمدت فلم يبق لها لهيب . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - التنديد بالظلم وأعلى درجاته الشرك باللّه . 2 - جواز الاستهزاء بالمشرك الظالم إذا حل به العذاب تقريعا له وتوبيخا . 3 - لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب لو طلبها الهالكون . 4 - شدة الهول ورؤية العذاب قد تفقد صاحبها رشده وصوابه فيهذر ولا يدري ما يقول .
--> ( 1 ) قيل : هذه القرى هي مدائن كانت باليمن ، والعموم ظاهر في السياق ولا داعي إلى حصره في مدائن اليمن بل هو شامل عادا وثمود وأهل مدين والمؤتفكات ، والقصم : الكسر يقال : قصم ظهر فلان : إذا كسره . ( 2 ) الإحساس : الإدراك بالحس فيكون برؤية ما يزعجهم أو سماع أصوات مؤذنة بالهلاك كالصواعق والرياح . ( 3 ) وهذا استهزاء بهم وتهكم وتقريع وتوبيخ لهم . ( 4 ) أي : الكلمة التي يكررونها وهي : يا ويلنا إنا كنا ظالمين حتى هلكوا عن آخرهم . ( 5 ) الحصد : جزّ الزرع والنبات بالمنجل لا باليد ، وشاع إطلاق الحصيد على الزرع المحصود ، والخامد الذي لا حراك له من خمدت النار إذا زال لهيبها .