أبي بكر جابر الجزائري
390
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
كثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات أهلكناهم بكفرهم ومعاصيهم فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا فينجوا ويسعدوا . وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من الإهلاك للقرون الأولى لَآياتٍ أي دلائل واضحة على وجوب الإيمان باللّه ورسوله وطاعتهما ، لِأُولِي النُّهى أي لأصحاب العقول أما الذين لا عقول لهم لأنهم عطلوها فلم يفكروا بها فلا يكون في ذلك آيات لهم . وقوله تعالى وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ « 1 » مِنْ رَبِّكَ بأن لا تموت نفس حتى تستوفي أجلها ، وأجل مسمّى عند اللّه في كتاب المقادير لا يتبدل ولا يتغير لكان عذابهم لازما لهم لما هم عليه من الكفر والشرك والعصيان . وعليه فَاصْبِرْ يا رسولنا عَلى ما يَقُولُونَ من أنك ساحر وشاعر وكاذب وكاهن من كلمات الكفر ، واستعن على ذلك بالصلاة ذات الذكر والتسبيح قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها وهو صلاة العصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ « 2 » أي ساعات الليل وهما صلاتا المغرب والعشاء ، وَأَطْرافَ النَّهارِ وهو صلاة الظهر لأنها تقع بين طرفي النهار أي نصفه الأول ونصفه الثاني « 3 » وذلك عند زوال الشمس ، لعلك بذلك ترضى بثواب اللّه تعالى لك . وقوله تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تتطلع ناظرا إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أشكالا في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم زَهْرَةَ « 4 » الْحَياةِ الدُّنْيا أي من زينة الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنختبرهم في ذلك الذي متعناهم به من زينة الحياة الدنيا وقوله تعالى : وَرِزْقُ رَبِّكَ أي ما لك عند اللّه من أجر ومثوبة خَيْرٌ وَأَبْقى خيرا في نوعه وأبقى في مدته ، واختيار الباقي على الفاني مطلب العقلاء . وقوله تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ « 5 » بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها أي من أزواجك وبناتك وأتباعك
--> ( 1 ) فيه تقديم وتأخير ، الأصل : ولولا كلمة سبقت وأجل مسمّى لكان لزاما . أي لكان العذاب لازما لهم . ( 2 ) العتمة . واحد الآناء : أني وإني وأنى . ( 3 ) قال مجاهد : الأغنياء منهم ، وبهذا يشمل النساء والرجال إذ كل منهما زوج فرجح هذا أنّ أزواجا : مفعول به ، ولا يتنافى هذا مع ما في التفسير لأنّ قولنا : أشكالا في عقولهم وأخلاقهم وسلوكهم يعني : منطقا الرجال الأزواج . ( 4 ) زَهْرَةَ منصوب على الحال من الموصول . والزهرة : واحدة الزهور وهو نور الشجر والمراد هنا : الزينة المعجبة المبهرة في النساء والبنين والأنعام والبساتين والجنان . ( 5 ) الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وجميع أمّته تابعة له في ذلك فكلّ مؤمن يجب عليه أن يقيم الصلاة وأن يأمر أهله بذلك ويصبر . روي أنه لما نزلت هذه الآية كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( يذهب إلى بنته فاطمة كل صباح وقت الصلاة ) وكان عمر رضي اللّه عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثّل بالآية : وكان عروة بن الزبير إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ . . الآية .