أبي بكر جابر الجزائري
341
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
بِما تَسْعى : أي سعيها في الخير أو في الشر . فَتَرْدى : أي تهلك . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد ففي نهاية الآية السابقة ( 8 ) كان قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تقريرا للتوحيد وإثباتا له وفي هذه الآية ( 9 ) يقرره تعالى عن طريق الإخبار عن موسى ، وأن أول ما أوحاه إليه من كلامه كان إخباره بأنه لا إله إلا هو أي لا معبود غيره وأمره بعبادته . فقال تعالى : وَهَلْ أَتاكَ « 1 » أي يا نبينا حَدِيثُ مُوسى « 2 » إِذْ رَأى ناراً ، وكان في ليلة مظلمة شاتية وزنده الذي معه لم يقدح له نارا فَقالَ لِأَهْلِهِ أي زوجته ومن معها وقد ضلوا طريقهم لظلمة الليل ، امْكُثُوا أي ابقوا هنا فقد آنست نارا أي أبصرتها لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ فنوقد به نارا تصطلون بها أي تستدفئون بها ، أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي أجد حولها ما يهدينا طريقنا الذي ضللناه . وقوله تعالى : فَلَمَّا أَتاها أي أتى النار ووصل إليها وكانت شجرة « 3 » تتلألأ نورا نُودِيَ يا مُوسى أي ناداه ربه تعالى قائلا يا موسى « 4 » إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي خالقك ورازقك ومدبر أمرك فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وذلك من أجل أن يتبرك بملامسة الوادي المقدس بقدميه . وقوله تعالى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي لحمل رسالتي إلى من أرسلك إليهم . فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى « 5 » أي إليك وهو : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا أي أنا اللّه المعبود بحق ولا معبود بحق غيري وعليه فاعبدني وحدي ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي « 6 » ، أي لأجل أن تذكرني فيها وبسببها . فلذا من لم يصل لم يذكر اللّه تعالى وكان بذلك كافرا لربه تعالى . وقوله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ « 7 » أي ان الساعة التي يقوم فيها الناس أحياء من قبورهم للحساب والجزاء
--> ( 1 ) هذا الاستفهام أريد به التشويق لما يلقى لعظيم فائدته ، وهل هنا بمعنى قد المفيدة للتحقيق هي كما في قوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أي قد أتى . ( 2 ) الحديث : الخبر ، ويجمع على غير قياس : أحاديث ، وقيل : واحده أحدوثة واستغنوا به عن جمع فعلاء لأن فعيل يجمع على فعلاء . كرحيم ورحماء وسعيد وسعداء وهو اسم للكلام الذي يحكى به أمر قد حدث في الخارج . ( 3 ) قيل : هي شجرة عنّاب . ( 4 ) قرأ حمزة وحده ، وانّا اخترناك بضمير العظمة . ( 5 ) في هذه الآية إشارة إلى أن التعارف بين المتلاقين حسن فقد عرفه تعالى بنفسه في أوّل لقاء معه ، روى أنه وقف على حجر واستند على حجر ووضع يمينه على شماله ، وألقى ذقنه على صدره وهذه حالة الاستماع المطلوبة من صاحبها . ( 6 ) استدل مالك على أن من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يصليها مستدلا بقوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي : لأول وقت ذكرك لها والسنة صريحة في هذا إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها فلا كفارة لها إلا ذاك ) ( 7 ) الساعة علم بالغلبة على ساعة البعث والحساب .