أبي بكر جابر الجزائري
308
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
أنّ اللّه تعالى هو ربه وربهم فليعبدوه جميعا بما شرع لهم ولا يعبدون معه غيره إذ لا إله لهم إلا هو سبحانه وتعالى ، وأعلمهم أن هذا الاعتقاد الحق والعبادة بما شرع اللّه هو الطريق المفضي بسالكه إلى السعادة ومن تنكب عنه وسلك طريق الشرك والضلال أفضى به إلى الخسران وقوله تعالى في الآية ( 37 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ « 1 » أي في شأن عيسى فمن قائل هو اللّه ، ومن قائل هو ابن اللّه ومن قائل هو وأمه الهين من دون اللّه والقائلون بهذه المقالات كفروا بها فتوعدهم اللّه تعالى بالعذاب الأليم فقال فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بنسبتهم الولد والشريك للّه ، والويل واد في جهنم فهم إذا داخلوها لا محالة ، وقوله مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني به يوم القيامة وهو يوم ذو أهوال وشدائد لا يقادر قدرها . وقوله تعالى في الآية ( 38 ) أَسْمِعْ « 2 » بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا يخبر تعالى أن هؤلاء المتعامين اليوم عن الحق لا يريدون أن يبصروا آثاره الدالة عليه فيؤمنوا ويوحدوا ويعبدوا ، والمتصاممين عن سماع الحجج والبراهين وتوحيد اللّه وتنزيهه عن الشريك والولد هؤلاء يوم يقدمون عليه تعالى في عرصات القيامة يصبحون أقوى ما يكون أبصارا وسمعا ، ولكن حين لا ينفعهم سمع ولا بصر ، وقوله تعالى : لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يخبر تعالى أن أهل الشرك والكفر وهم الظالمون في ضلال مبين أي عن طريق الهدى وهو سبب عدم إبصارهم للحق وسماعهم لحججه التي جاءت بها رسل اللّه ونزلت بها كتبه . وقوله تعالى في آية ( 39 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ « 3 » إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يأمر تعالى رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأن ينذر الكفار والمشركين أي يخوفهم عاقبة شركهم وكفرهم وضلالهم يوم القيامة حيث تشتد فيه الحسرة وتعظم الندامة وذلك عندما يتوارث الموحدون مع المشركين فالموحدون يرثون منازل المشركين في الجنة ، والمشركون يرثون منازل
--> ( 1 ) مِنْ : زائدة واختلاف الأحزاب ، وجهه : أن اليهود قادحون والنصارى مادحون ، فاليهود قالوا : ساحر وابن زنية ، والنصارى فرقة : قالت هو اللّه وأخرى قالت : ابن اللّه ، وثالثة قالت : ثالث ثلاثة ، وهذه الفرق هي الملكانية ، واليعقوبية ، والنسطورية ثم تشعبت وأشهرها الآن : الملكائية أي الكاتوليك واليعقوبية : أي أرثذوكس والاعتراضية أي : البروتستانت . ( 2 ) هذا الكلام ظاهر أنه أمر لحمل السامع على التعجب من حال المذكورين ، ومعناه الخبر أي : لا أحد أسمع منهم ولا أبصر يوم يقفون في عرصات القيامة ، ويشاهدون النار ويسمعون زفيرها . ( 3 ) روي في مسند أحمد وفي الصحيحين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنّه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ قال فيشرئبون وينظرونه ويقولون : نعم هذا الموت . قال : فيقال : يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ قال : فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم هذا الموت . قال : فيؤمر به فيذبح . قال . ويقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت ، ثمّ قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ . . الآية .