أبي بكر جابر الجزائري
261
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
قال تعالى : في خطاب رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : وَاضْرِبْ لَهُمْ أي لأولئك المغرورين بالمال والسلطان مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ « 1 » السَّماءِ ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فزها وازدهر واخضرّ وانظر ، فأعجب أصحابه ، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه . وفجأة أتاه أمر اللّه برياح لاحفة ، محرقة ، فَأَصْبَحَ « 2 » هَشِيماً أي يابسا متهشما متكسرا تَذْرُوهُ الرِّياحُ هنا وهناك وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً أي قادرا كامل القدرة ، فأصبح أهل الدنيا مبلسين آيسين من كل خير . وقوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا إنه بعد أن ضرب المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى ، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها ، وهي أن الْمالُ وَالْبَنُونَ أو الأولاد زِينَةُ الْحَياةِ « 3 » الدُّنْيا لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان ، فلا يجوز الاغترار بهما ، بحيث يصبحان همّ الإنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال ، هذا جزء الحقيقة في هذه الآية ، والجزء الثاني هو أن الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ والمراد بها أفعال البر وضروب العبادات ومنها سبحان اللّه « 4 » ، والحمد للّه ، ولا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، أي هذه خَيْرٌ ثَواباً أي جزاء وثمارا ، يجنيه العبد من الكدح المتواصل في طلب الدنيا مع الإعراض عن طلب الآخرة ، وَخَيْرٌ أَمَلًا يأمله الإنسان من الخير ويرجوه ويرغب في تحصيله .
--> ( 1 ) بعض الحكماء شبّه الحياة الدنيا بالماء للاتصالات الآتية : 1 - الماء لا يستقر في موضع والحياة كذلك 2 - الماء يتغيّر والدنيا كذلك . 3 - الماء لا يبقى والدنيا كذلك . 4 - الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل والدنيا لا يدخلها أحد ويسلم من فتنها وآفاتها . 5 - الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفي الصحيح ( قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه اللّه بما آتاه ) رواه مسلم . ( 2 ) يقال : هشمه يهشمه إذا كسره وفتّته وهشيم بمعنى : مهشوم فهو فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول ، وهشم الثريد إذا فتته وبه سمي هاشم بن بن مناف وكان اسمه عمرو وفيه يقول عبد اللّه بن الزبعري : عمرو العلاء هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف ( 3 ) قيل : في المال والبنين زينة الحياة الدنيا : لأنّ في المال جمالا ونفعا وفي البنين قوة ودفعا والمثل مضروب لحقارة الدنيا وسرعة زوالها ولذا قيل : لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك . ( 4 ) روى مالك في الموطأ : أن الباقيات الصالحات هنّ : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .