أبي بكر جابر الجزائري

254

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

عن ذكرنا وذكر وعدنا ووعيدنا ليكون من الهالكين لعناده وكبريائه وظلمه . وَكانَ أَمْرُهُ « 1 » فُرُطاً أي ضياعا وهلاكا ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ « 2 » وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ أي هذا الذي جئت به وأدعو إليه من الايمان والتوحيد والطاعة للّه بالعمل الصالح هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أيها الناس . فَمَنْ شاءَ اللّه هدايته فآمن وعمل صالحا فقد نجاه ومن لم يشأ اللّه هدايته فبقي على كفره فلم يؤمن فقد خاب وخسر . وقوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها أي جدرانها النارية . وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من شدة العطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ رديئا ثخنا يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا أدناه الشارب من وجهه ليشرب شوى جلده ووجهه ولذا قيل فيه ذم له . بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ أي جهنم مُرْتَفَقاً في منزلها وطعامها وشرابها إذ كله سوء وعذاب هذا وعيد من اختار الكفر على الإيمان وأما وعد من آمن وعمل صالحا وقد تضمنته الآيتان ( 31 - 32 ) إذ قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا هذا حكمنا الذي لا تبديل له وبين تعالى أجرهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم فقال : أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة دائمة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ، مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ وهي الأسرة بالحجلة « 3 » . ثم أثنى اللّه تعالى على نعيمهم الذي أعده لهم بقوله : نِعْمَ الثَّوابُ الذي أثيبوا به وَحَسُنَتْ الجنة في حليها وثيابها وفرشها وأسرتها وطعامها وشرابها وحورها ورضوان اللّه فيها حَسُنَتْ « 4 » مُرْتَفَقاً يرتفقون فيه وبه ، جعلنا اللّه من أهلها هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب اللّه فلم يتلوه ولم يعملوا بما جاء فيه من شرائع وأحكام .

--> ( 1 ) الفرط : الظلم والاعتداء وهو مشتق من الفروط وهو السبق لأنّ الظلم سبق في الشر والظلم يؤدي إلى الهلاك والضياع والخسران . ( 2 ) الأمر في قوله فَلْيُؤْمِنْ و فَلْيَكْفُرْ للتسوية بينهما وليس في هذا إذن لهم بالكفر وإنما الخطاب للتهديد والوعيد لمن اختار الكفر على الإيمان بدليل الجملة التعليلية : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً الخ ، والمراد بالظالمين المشركون لقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . ( 3 ) الْأَرائِكِ : جمع أريكة وهي مجموع سرير وحجلة ، والحجلة : قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها ولذلك يقال للنساء ربات الحجال فإذا وضع فيها سرير فهي أريكة يجلس فيها وينام . ( 4 ) ( المرتفق ) : محل الارتفاق ، وإطلاق المرتفق على النار تهكّم ، إذ النار لن تكون محل راحة وارتفاق أبدا بل هي دار شقاء وعذاب .