أبي بكر جابر الجزائري
23
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
لهما من جزاء في الدار الآخرة ، مع ذكر صفات كل منهما ، تلك الصفات المقتضية لجزائهما في الدار الآخرة قال تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فيؤمن به بعد العلم ويستقيم على منهجه في عقيدته وعبادته ومعاملاته وسلوكه كله . هذه الشخصية الأولى كَمَنْ هُوَ أَعْمى « 1 » لم يعلم الحق ولم يؤمن به ولم يعمل بما أنزل إلى الرسول من الشرع . والجواب قطعا أنهما لا يستويان ولا يكونان في ميزان العدل والحق متساويين وقوله تعالى : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي يتعظ بمثل هذه المقارنة أصحاب العقول المدركة للحقائق والمفرقة بين المتضادّات كالحق والباطل والخير والشر والنافع والضار . وقوله تعالى : الَّذِينَ يُوفُونَ هذا مشروع في بيان صفاتهم المقتضية إنعامهم وإكرامهم نذكر لهم ثماني صفات هي كالتالي : ( 1 ) الوفاء بالعهود وعدم نقضها : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ « 2 » اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ « 3 » إذ لا دين لمن لا عهد له . ( 2 ) وصل ما أمر اللّه به أن يوصل من الإيمان والإسلام والإحسان والأرحام : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ . ( 3 ) خشية اللّه المقتضية لطاعته : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . ( 4 ) الخوف من سوء الحساب يوم القيامة المقتضي لمحاسبة النفس على الصغيرة والكبيرة : وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ . ( 5 ) الصبر طلبا لمرضاة اللّه على الطاعات وعن المعاصي ، وعلى البلاء : وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ . ( 6 ) إقامة الصلاة وهي أداؤها في أوقاتها جماعة بكامل الشروط والأركان والسنن والآداب : وَأَقامُوا الصَّلاةَ . ( 7 ) الانفاق مما رزقهم اللّه في الزكاة والصدقات الواجبة والمندوبة : وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ . ( 8 ) دفع السيئة بالحسنة فيدرءون سيئة الجهل عليهم بحسنة الحلم ، وسيئة الأذى بحسنة « 4 » الصبر . وقوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ أي العاقبة المحمودة وفسرها بقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة لا ظعن منها يدخلونها هم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
--> ( 1 ) المراد من العمى هنا : عمى القلب لا عمى البصر ، والجهل هو سبب العمى . ( 2 ) العهد هنا : اسم جنس إذ المراد الوفاء بكافة عهود اللّه تعالى وهي أوامره ونواهيه التي وصي بها عباده . ( 3 ) الميثاق هنا : أيضا اسم جنس يدخل فيه كل المواثيق أي : إذا عقدوا في طاعة اللّه عهدا لم ينقضوه ، قال قتادة : ورد النهي عن نقض الميثاق في بضع وعشرين آية . ( 4 ) وسيئة المعصية بالتوبة منها . واللفظ العام الشامل هو أنهم يدفعون بالعمل الصالح كل عمل فاسد .