أبي بكر جابر الجزائري
170
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ : أي بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها . لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ : أي خير من الانتقام عاقبة . وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ : أي لا تهتم بمكرهم ، ولا يضيق صدرك به . مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا : أي اتقوا الشرك والمعاصي . وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ : أي في طاعة اللّه ، ومعيته تعالى هي نصره وتأييده لهم في الدنيا . معنى الآيات : يخاطب الرب تعالى رسوله تشريفا وتكليفا : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ « 1 » أي إلى دينه وهو الإسلام سائر الناس ، وليكن دعاؤك بِالْحِكْمَةِ التي هي القرآن الكريم الحكيم وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وهي مواعظ القرآن وقصصه وأمثاله ، وترغيبه وترهيبه ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي خاصمهم بالمخاصمة التي هي أحسن وهي الخالية من السب والشتم والتعريض بالسوء ، فإن ذلك أدعى لقبول الخصم الحق وما يدعي إليه ، وقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ من الناس وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وسيجزيهم المهتدي بهداه ، والضال بضلاله ، كما هو أعلم بمن ضل واهتدى أزلا . فهون على نفسك ولا تشطط في دعوتك فتضر بنفسك ، والأمر ليس إليك . بل لربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما عليك إلا الدعوة بالوصف الذي وصف لك ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وقوله تعالى وَإِنْ عاقَبْتُمْ « 2 » فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ لا أكثر ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ وتركتم المعاقبة لَهُوَ أي صبركم خَيْرٌ لكم من المعاقبة على الذنب والجناية ، وقوله تعالى : وَاصْبِرْ على ترك ما عزمت عليه أيها الرسول من التمثيل بالمشركين جزاء تمثيلهم بعمك حمزة ، فأمره بالصبر ولازمه ترك المعاقبة والتمثيل معا ، وقوله : وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي إلا بتوفيقه وعونه ، فكن مع ربك
--> ( 1 ) قال القرطبي : هذه الآية نزلت بمكة في وقت مهادنة قريش ، وأمره أن يدعو إلى دين اللّه وشرعه بتلطّف ولين دون مخاشنة وعنف ، وهكذا ينبغي أن يدعو المسلمون إلى يوم القيامة . ( 2 ) جمهور المفسرين على أن هذه الآية : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا . . . الخ نزلت بالمدينة في شأن قتل حمزة والتمثيل به رضي اللّه عنه وأرضاه يوم أحد ذكر ذلك البخاري وغيره وفي الآية دليل على وجوب المماثلة في القصاص ويحرم عدمها . وفي الآية دليل لمن قال بجواز أخذ مال من أخذ مال غيره إذا لم يتمكن منه بعلمه ورضاه على شرط أن لا يأخذ أكثر مما أخذ منه .