أبي بكر جابر الجزائري
653
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
يطاق أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أي القيامة بَغْتَةً « 1 » أي فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوقت مجيئها فتعظم البلية وتشتد عليهم الرزية ، وكيف يأمنون وهل يوجد من يؤمنهم غير اللّه تعالى فما لهم إذا لا يؤمنون ولا يتقون حتى ينجوا مما يتوقع لهم ؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 107 ) أما الثانية فقد أمر اللّه تعالى رسوله أن يواصل دعوته دعوة الخير هو والمؤمنون معه فقال : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أي قل أيها الرسول للناس هذه طريقتي في دعوتي إلى ربي بأن يؤمن به ويعبد وحده دون سواه . أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ « 2 » أي على علم يقين بمن أدعو إليه وبما أدعو به وبالنتائج المترتبة على هذه الدعوة ، أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي من المؤمنين كلنا ندعو إلى اللّه على بصيرة . وقوله تعالى : وَسُبْحانَ اللَّهِ أي وقل سبحان اللّه أي تنزيها له عن أن يكون له شريك أو ولد ، وقل كذلك معلنا براءتك من الشرك والمشركين وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . هذا ما دلت عليه الآية الثانية . أما الآية الثالثة فإن اللّه تعالى يخبر رسوله بأنه ما أرسل من قبله من الرسل وهم كثر إلا رجالا أي لا نساء ولا ملائكة نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى « 3 » أي الأمصار والمدن ، وهذا إبطال لإنكارهم أن يكون الرسول رجلا من الناس ، وقوله تعالى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا أي هؤلاء المكذبون من قريش وغيرهم فِي الْأَرْضِ للاعتبار فَيَنْظُرُوا « 4 » كيف كان عاقبة من سبقهم من الأمم كعاد وثمود فإنا أهلكناهم ونجينا أهل الإيمان والتوحيد من بينهم مع رسلهم هذه النجاة ثمرة من ثمرات الإيمان والتقوى ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ « 5 » لِلَّذِينَ اتَّقَوْا فإنها دار النعيم المقيم والسلامة من الآهات والعاهات والكبر والهرم والموت والفناء . وقوله تعالى في نهاية الآية أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 6 » يوبخ أولئك المشركين المصرين على
--> ( 1 ) فَيَنْظُرُوا إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم وما جاءوهم به من الهدى ودين الحق من أجل هدايتهم ، وسعادتهم . ( 2 ) وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مبتدأ وخبر ، وهل الإضافة هنا كما هي في يوم الخميس وبارحة الأولى ؟ خلاف ويرجح أحد الرأيين فقول الشاعر : ولو أقوت عليك ديار عبس * عرفت الذل عرفان اليقين أي : عرفانا يقينيا . قال النحاس : إضافة الشيء إلى نفسه محال ، لأنّ الشيء يضاف إلى غيره ليعرّف به الأجود أن يقال : الصلاة الأولى . ( 3 ) قرئ : أفلا يعقلون : بالياء والتاء في السبع . ( 4 ) منصوب على الحال ، ومعناه إصابة من غير توقع وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ : توكيد لمعنى بغتة . هذا كقوله تعالى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ . ( 5 ) أي : على يقين وحق كقولهم : فلان مستبصر بهذا الأمر . ( 6 ) قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ردّ على القائلين لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ .