أبي بكر جابر الجزائري
480
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين فقد طالبوا في الآيات السابقة بالعذاب فقالوا مَتى هذَا الْوَعْدُ أي بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فأمر اللّه تعالى رسوله في هذه الآيات أن يقول لهم إني لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا أي لا أملك دفع الضر عني ، ولا جلب النفع لي إذا لم يشأ اللّه تعالى ذلك ، فكيف أعلم الغيب وأعرف متى يأتيكم العذاب كما لا أقدر على تعجيله إن كان اللّه يريد تأجيله ، واعلموا أنه لكل أمة من الأمم أجل أي وقت محدد لهلاكها وموتها فيه ، فلا يتأخرون عنه ساعة ولا يتقدمون عليه بأخرى فلذا لا معنى لمطالبتكم بالعذاب . وشيء آخر أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم العذاب الذي تستعجلونه بياتا « 1 » أي ليلا أو نهارا أتطيقونه وتقدرون على تحمله إذا فما ذا تستعجلون منه أيها المجرمون « 2 » إنكم تستعجلون أمرا عظيما . وقوله تعالى أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ؟ « 3 » أي أتستمرون على التكذيب والعناد ، ثم إذا وقع آمنتم به ، وهل ينفعكم إيمانكم يومئذ ؟ فقد يقال لكم توبيخا وتقريعا آلآن تؤمنون به ، وقد كنتم به تستعجلون . وقوله تعالى ثُمَّ « 4 » قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ؟ يخبر تعالى أنه إذا دخل المجرمون النار وهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ذوقوا - تهكما بهم - عذاب الخلد أي العذاب الخالد الذي لا يفني ولا يبيد إنكم ما تجزون أي ما تثابون إلا بما كنتم تكسبونه من الشرك والمعاصي . وقوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ ؟ أي ويستخبرك المشركون المعاندون قائلين لك أحق ما تعدنا به من العذاب يوم القيامة ؟ أجبهم بقولك قُلْ إِي وَرَبِّي « 5 » إِنَّهُ لَحَقٌّ ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ اللّه ولا فائتينه بل لا بد وأن يلجئكم إلى العذاب إلجاء ، ويذيقكموه عذابا أليما دائما وأنتم صاغرون .
--> ( 1 ) البيات : اسم مصدر ليلا كالسلام للتسليم . ( 2 ) المجرمون : أصحاب الجرم الذي هو الشرك والقائلون متى هذا الوعد من كفار مكة . ( 3 ) أَ ثُمَّ الهمزة للاستفهام وقدمت على ثم العاطفة ، لأنّ لها حق الصدارة والتقدير : ثم إذا وقع ، والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب ، وهو غير نافع لصاحبه فكيف ترضونه أنتم لأنفسكم . ( 4 ) ثُمَّ : حرف عطف ، وهي هنا للتراخي الرتبي فهذا يقال للمشركين عند دخولهم النار وهو من باب التهكم بهم والتقريع لهم ، وإعلامهم بما لا يستطيعون دفعه بحال : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ والقائلون هم خزنة جهنم . ( 5 ) إِي : كلمة تحقيق وايجاب ، وتأكيد هي بمعنى « نعم » وَرَبِّي قسم جوابه : إِنَّهُ لَحَقٌّ أي : هو كائن لا شك فيه ولا محالة من وقوعه .