أبي بكر جابر الجزائري

476

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

أيضا إذ الإيمان بواحد يستلزم الإيمان بالثاني ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ « 1 » ، وهذا إخبار غيب فتم كما أخبر تعالى فقد آمن من المشركين عدد كبير ولم يؤمن عدد آخر . وقوله وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي الذين لا يؤمنون وفي الجملة تهديد لأولئك الذين يصرفون الناس ويصدونهم عن الإيمان والتوحيد . وقوله تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ أي استمروا في تكذيبهم لك فلا تحفل بهم وقل لِي عَمَلِي « 2 » وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ فإذا كان هناك عقاب دنيوي فإنك تسلم منه ويهلكون هم به . وقوله تعالى في الآية ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ « 3 » إلى قراءتك القرآن وإلى قولك إذا قلت داعيا أو آمرا أو ناهيا ، ومع هذا فلا يفهم ولا ينتفع بما يسمع ، ولا لوم عليك في ذلك لأنك لا تسمع الصم ، وهؤلاء صم لا يسمعون ، ومنهم من ينظر إليك بأعين مفتحة ويرى علامات النبوة وآيات الرسالة ظاهرة في حالك ومقالك ومع هذا لا يهتدي ولا لوم عليك فإنك لا تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون . « 4 » وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بيان لسنة اللّه تعالى في أولئك الذين يسمعون ولا ينتفعون بسماعهم ، ويبصرون ولا ينتفعون بما يبصرون ، وهي أن من توغل في البغض والكراهية لشيء يصبح غير قادر على الانتفاع بما يسمع منه ولا بما يبصر فيه . ولذا قيل حبك الشيء يعمي ويصم ، والبغض كذلك كما أن الاسترسال في الشر والفساد مدة من الزمن يحرم صاحبه التوبة إلى الخير والصلاح ، ومن هنا قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ « 5 » النَّاسَ شَيْئاً ، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك . 2 - تقرير معنى آية فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ .

--> ( 1 ) كأبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وغيرهم ( 2 ) أي لي ثواب عملي على التبليغ والطاعة للّه تعالى ولكم جزاء عملكم الذي هو الشرك والكفر والتكذيب . ( 3 ) أي : في ظواهرهم أمّا قلوبهم فلا تعي شيئا مما تقول من الحق وتتلوه من القرآن . ( 4 ) أي : ولو انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة . ( 5 ) في هذا إشارة إلى أنّ عدم هدايتهم لم يكن خارجا عن إرادتهم ولكن كان باستحبابهم العمى على الهدى وإيثارهم للدنيا على الآخرة .