أبي بكر جابر الجزائري

181

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقّق لهم أبدا فيقولون : فَهَلْ « 1 » لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ؟ أَوْ نُرَدُّ إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشرك والشر والفساد . وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح ، ولم يرعهم إلا الإعلان التالي : قَدْ خَسِرُوا « 2 » أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ خسروا أنفسهم في جهنم ، وضاع منهم كلّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة . وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم إِنَّ رَبَّكُمُ الذي يحبّ أن تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ « 3 » حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره ، ولا ربّ لكم سواه ، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّا ولا إلها لأحد أبدا لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها ، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها ؟ إنّ ربّكم ومعبودكم الحقّ الذي له « 4 » الخلق كلّه ملكا وتصرفا وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله . علويّه وسفليّه فتبارك اللّه رب العالمين . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - لا ينفع الإيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة . 2 - يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة ، فاللّه قادر على خلق السّماوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة « 5 » أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليما وإرشادا إلى التثبت في الأمور والتأني فيها . 3 - صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي

--> ( 1 ) فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ ؟ الاستفهام مشوب بالتمني . ( 2 ) خسران النفس أكبر خسران إذ هو آخر ما يخسر ، فإنّ من خسر نفسه فقد خسر كل شيء قال تعالى : قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ومعنى : خسران النفس : عدم الانتفاع بها . ( 3 ) أي : يطلبه طلبا حثيثا أي سريعا ، إذ الحث : الإعجال والسرعة . ( 4 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من لم يحمد اللّه على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ) أخرجه ابن كثير نقلا عن ابن جرير . وقال ابن عيينة : فرّق اللّه بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر إذ قال : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فالخلق غير الأمر فمن قال : الأمر مخلوق فقد كفر . ( 5 ) أصل ستة : سدسة فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليها فصارت ستة ولذا تصغر على سديسة وتجمع على أسداس ، والجمع والتصغير يردّان الأسماء إلى أصولها ، ويقال : جاء فلان سادس ستة .