الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
403
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
والأرضين زفرة من زفراتها لصعقوا وماتوا أجمعين ، وذابوا كما يذوب الرصاص والنحاس في النار ، فتقوم تمشي على قوائمها ، ولها زفير وشهيق ، وتخطر كما يخطر البعير الهائج ، وترمي من أفواهها ومناخرها شررا كالقصر كأنه جمالة صفر ، فتغشي الخلق ظلمة دخانها حتى لم يبق أحد ينظر إلى أحد من شدة الظلام ، إلا من جعل اللّه له نورا من صالح عمله ، فيضيء له تلك الظلمة ، فتقودها الزبانية الغلاظ الشداد لا يعصون اللّه فيما أمرهم [ ويفعلون ما يؤمرون ] حتى إذا نظرت الخلائق إليها تزفر وتشهق وتفور تكاد تميز من الغيظ ، ثم تقرب أنيابها إلى بعض ، وترمى بشرر عدد نجوم السماء ، كل شرارة بقدر السحابة العظيمة ، فتطير منها الأفئدة ، وترجف منها القلوب ، وتذهل الألباب ، وتحسر الأبصار ، وترتعد الفرائص . ثم تزفر الثانية ، فلم يبق قطرة في عين مخلوق إلا وانهملت وانسكبت ، فتبلغ القلوب الحناجر من الكرب ، ويشتد الفزع ، ثم تزفر الثالثة فلو كان كل نبي عمل عمل سبعين نبيا لظن أنه مواقعها ، ولم يجد عنها مصرفا ، فلم يبق حينئذ نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا ولي منتجب إلا وجثا على ركبتيه ، وبلغت نفسه تراقيه ، ثم يعرض لها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فتقول : مالي ومالك - يا محمد - فقد حرّم اللّه لحمك علي ، فلا يبقى يومئذ أحد إلا قال : نفسي نفسي ، إلا نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنه يقول : « أمتي أمتي ، وعدك وعدك يا من لا يخلف الميعاد » « 1 » . 2 - أقول : نعم فحينما يرى المذنب كل تلك الحوادث تهتز فرائصه ويتزلزل رعبا ، فيستيقظ من غفلته ويعيش حالة الهم والغمّ ، ويتحسر على كل لحظة مرّت من حياته بعدما يرى ما قدّمت يداه ، ولكن . هل للحسرة حينها من فائدة عليه ؟ ! وكم سيتمنى المذنب لو تسنح له الفرصة ثانية للرجوع إلى الدنيا وإصلاح ما أفسد ، ولكنّه سيرى أبواب العودة مغلقة ، ولا من مخرج ! . . . ويودّ التوبة . . . وهل للتوبة من معنى بعد غلق أبوابها ؟ ! ويريد أن
--> ( 1 ) تحفة الأخوان : ص 111 « مخطوط » .