الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
439
تفسير كتاب الله العزيز
قوله تعالى : ( عَيْناً ) أي : تلك الخمر من عين . وإنّما صارت عينا كقوله : ( أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) [ الإسراء : 61 ] أي من طين . قال تعالى : ( يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) وهي من تسنيم ، أي تسنم عليهم منازلهم ، أي : ما لهم من معال . وتسنيم أشرف شراب في الجنّة « 1 » . ذكروا عن ابن عبّاس أنّه قال : ( تَسْنِيمٍ ) هي ممّا قال اللّه : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] . قوله عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا : أي أشركوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) : أي في الدنيا ، يسخرون بهم . تفسير الحسن : كان المشركون إذا مرّ بهم النبيّ عليه السّلام وأصحابه يقول بعضهم لبعض : انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا شهواتهم في الدنيا يطلبون بذلك - زعموا - نعيما في الآخرة . قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ : أي بالنبيّ وأصحابه يَتَغامَزُونَ ( 30 ) : أي يقولون هذا القول . قال : وَإِذَا انْقَلَبُوا : يعني المشركين إِلى أَهْلِهِمُ في الدنيا انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) : أي مسرورين . كقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) [ الانشقاق : 13 ] . ذكروا عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قال اللّه عزّ وجلّ : وعزّتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين . لا يخافني في الدنيا إلّا أمّنته في الآخرة ، ولا يأمنني في الدنيا إلّا خوّفته في الآخرة « 2 » . وقال في آية أخرى : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) [ الطور : 26 - 28 ] وقال عزّ وجلّ : وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) [ الانشقاق : 9 ] أي : في الجنّة . وقال في الكافر : فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي : في الدنيا مَسْرُوراً ( 13 ) [ الانشقاق : 11 - 13 ] . قال عزّ وجلّ : وَإِذا رَأَوْهُمْ : أي إذا رأوا أصحاب النبيّ عليه السّلام قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) : أي بتركهم شهواتهم في الدنيا لنعيم الآخرة زعموا .
--> ( 1 ) قال الفرّاء في المعاني ، ج 3 ص 249 : « مزاج الرحيق ( مِنْ تَسْنِيمٍ ) من ماء يتنزل عليهم من معال . . . » . وانظر ما حقّقه الفرّاء بكلمة ( تَسْنِيمٍ ) ووجوه إعراب ( عَيْناً ) في الآية . ( 2 ) انظر ما سلف في هذا الجزء ، تفسير الآية 28 من سورة المعارج .