الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

367

تفسير كتاب الله العزيز

وذكر بعضهم أنّ الذين يحملون العرش ثمانية صفوف من الكروبيّين لا يرى أطرافهم ولا يعلم عددهم إلّا الذي خلقهم ، سبحانه . قال عزّ وجلّ : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) : أي لا يخفى على اللّه من أعمالكم شيء . قال عزّ وجلّ : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ : فيعلم أنّه من أهل الجنّة فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) : وذلك حين يأذن اللّه له فيقرأ كتابه . فإذا كان الرجل في الخير رأسا - يدعو إليه ويأمر به ، ويكثر تبعه عليه - دعي باسمه واسم أبيه فيتقدّم ، حتّى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخطّ أبيض ، في باطنه السيّئات ، وفي ظاهره الحسنات . فيبدأ بالسيّئات فيقرأها ، فيشفق ويتغيّر لونه . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيّئاتك قد غفرت لك فيفرح ، ثمّ يقلب كتابه فيقرأ حسناته ، فلا يزداد إلّا فرحا ، فيقال له : هذه حسناتك ، وقد ضوعفت لك ، ويبيضّ وجهه ، ويؤتى بتاج ، فيوضع على رأسه ويكسى حلّتين ، ويحلّى كلّ مفصل منه ، ويطول ستّين ذراعا ، وهي قامة أبينا آدم عليه السّلام ، ويقال له : انطلق إلى أصحابك فبشّرهم وأخبرهم بأنّ لكلّ إنسان منهم مثل هذا . فإذا أدبر قال : ( هاؤُمُ ) أي : هاكم ( اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ) إِنِّي ظَنَنْتُ : أي علمت أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) . قال عزّ وجلّ : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) : أي مرضية ، قد رضيها . فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) : أي في السماء . قُطُوفُها : أي ثمارها دانِيَةٌ ( 23 ) : فيقول لأصحابه : هل تعرفونني ؟ فيقولون : قد غيّرتك كرامة اللّه ، من أنت ؟ فيقول : أنا فلان بن فلان ، ليستبشر كلّ رجل منكم بمثل هذا . ذكروا عن البراء بن عازب قال : أدنيت منهم وذلّلت ، يتناولون أيّها شاءوا ، قعودا أو مضطجعين وكيف شاءوا . ذكروا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : والذي نفسي بيده إنّ أهل الجنّة يتناولون من قطوفها وهم متّكئون ، فما تصل إلى في أحدهم حتّى يبدّل اللّه مكانها أخرى « 1 » .

--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء ، تفسير الآية 73 من سورة الزخرف ، وانظر كذلك : ج 2 ، تفسير الآية 35 من سورة الرعد .