الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

368

تفسير كتاب الله العزيز

قوله عزّ وجلّ : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ : أي بما قدّمتم على قدر أعمالكم فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) : وهي أيّام الدنيا : وهي في الآخرة أيّام خلت . ذكروا عن عبد اللّه بن أوفى أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه ، كيف شهاء أهل الجنّة ؟ قال : يأكلون ويشربون وإذا امتلأت بطونهم قيل لهم : هنيئا لكم شهوتكم ، فيرشحون عند ذلك مسكا لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يمتخطون « 1 » . قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) : قال الحسن : يقولها في النار ، يتمنّى الموت . وهو مثل قولهم : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] . قال بعضهم : يقول : يا ليتني متّ قبل أن أحاسب ، وقبل أن أوتى كتابيه . قال : وإذا كان الرجل في الشرّ رأسا - يدعو إليه ويأمر به ويكثر عليه تبعه - نودي باسمه واسم أبيه ، فيتقدّم إلى حسابه ويخرج له كتاب أسود بخطّ أسود ، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيّئات ؛ فيبدأ بالحسنات فيقرأها فيفرح ، ويظنّ أنّه سينجو ، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد : هذه حسناتك ، وقد ردّت عليك ، فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن ، ويقنط من كلّ خير . ثمّ يقلب كتابه فيقرأ سيّئاته ، فلا يزداد إلّا حزنا ، ولا يزداد وجهه إلّا سوادا . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيّئاتك قد عظم بلاؤها ؛ فيعظّم للنار ، وتزرقّ عيناه ويسودّ وجهه ، ويكسى سرابيل القطران ، ويقال له : انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أنّ لكلّ إنسان منهم مثل هذا . فينطلق وهو يقول : ( يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) . ذكروا عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : هلكت عنّي حجّتي . قال عزّ وجلّ : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) : أي اجعلوه يصلى الجحيم « 2 » والجحيم النار ، وهي اسم من أسماء جهنّم . قال تعالى : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً : واللّه أعلم بأيّ ذراع . وبلغنا أنّ الحلقة من تلك السلسلة لو وضعت على ذروة جبل لذاب .

--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء ، تفسير الآية 19 من سورة الطور . ( 2 ) في ق وع : « ( صَلُّوهُ ) أي : اشووه » . وأثبتّ ما جاء في ز ورقة 372 .