الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
219
تفسير كتاب الله العزيز
قوله عزّ وجلّ : ما زاغَ الْبَصَرُ : أي بصر النبيّ عليه السّلام ، أي : ما زاغ البصر فلم يثبت ما رأى وَما طَغى ( 17 ) : أي ما قال ما لم ير . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) : ولم يقل رأى ربّه الكبير « 1 » . يعني ما قصّ ممّا رأى . ثمّ قال للمشركين : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) : أي بعد الإلهتين . واللّات كانت لثقيف ، والعزى لقريش « 2 » ، ومناة لبني هلال . أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) : على الاستفهام . وذلك أنّهم جعلوا الملائكة بنات اللّه ، وجعلوا لأنفسهم الغلمان . قالوا إنّ اللّه صاحب بنات ، فسمّوا هذه الأصنام فجعلوها إناثا . قال اللّه : ( أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ) أي : ليس كذلكم . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) : أي جائرة . أي : قسمة جور في تفسير الحسن . يقول : إذ جعلوا للّه البنات ولهم الغلمان . وقال مجاهد : ( ضِيزى ) أي : معوجّة « 3 » . ثمّ قال اللّه : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ : يعني اللّات والعزّى ومناة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ : أي من حجّة بأنّها آلهة . ثمّ قال للنبيّ عليه السّلام : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ : أي إنّ ذلك منهم ظنّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) : أي القرآن . ذكروا عن أبي العالية الرياحي قال : كان النبيّ عليه السّلام في المسجد الحرام يصلّي وهو يقرأ سورة النجم . فلمّا أتى على هذه الآية : ( أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) ألقى الشيطان على لسانه : إنّهنّ من الغرانيق العلى ، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى . فأعجب ذلك المشركين . وقرأ السورة حتّى ختمها فسجد وسجد معه أهل مكّة المؤمنون والمشركون ، والجنّ والإنس ، فأنزل اللّه : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما
--> ( 1 ) هذه الجملة من الشيخ هود الهوّاريّ ولا شكّ ، فهي غير واردة في ز ، وقد جاء فيها ما قبلها وما بعدها . ( 2 ) وقال الفرّاء في المعاني ، ج 3 ص 98 : « وكانت العزّى سمرة لغطفان يعبدونها » . وقال : « كانت مناة صخرة لهذيل ، وخزاعة يعبدونها » . ( 3 ) انظر تحقيقا ممتعا مفيدا في أصل الكلمة ( ضِيزى ) ووزنها في معاني الفرّاء ، ج 3 ص 98 - 99 . وانظر مجاز أبي عبيدة ، ج 2 ص 237 .