الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
17
تفسير كتاب الله العزيز
وذلك أنّه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء دفع خاتمه إلى امرأة من نسائه كان يثق بها ، فدفعه إليها يوما ثمّ دخل الخلاء . فجاءها ذلك الشيطان في صورة سليمان ، فأخذ الخاتم منها . فلمّا خرج سليمان من الخلاء طلب الخاتم منها فقالت : قد أعطيتكه . فقال : أنشدك باللّه أن تخونيني . وذهب الخبيث فقعد على كرسيّ سليمان ، وألقى عليه شبهه وهيئته . فخرج سليمان فإذا هو بالشيطان قاعد على كرسيّه . فذهب في الأرض وذهب ملكه . وجعل يستطعم إذا أصابه الجهد ويقول : أنا سليمان بن داود ، فيكذّبونه ويستخفّون به ويطردونه ، حتّى كاد أن يموت من الجوع . وقال مجاهد : كان يقول : لو عرفتموني لأطعمتموني ، أنا سليمان ، ويكذّبونه . قال الكلبيّ : فلمّا انقضت المدّة ، ونزلت الرحمة عليه من اللّه ، ألقى اللّه في أنفاس الناس استنكار الشيطان . فمشوا إلى آصف ، أحد الثلاثة خزّان بيت المقدس ، فقالوا : يا آصف ، إنّا أنكرنا قضاء الملك وعمله ، فلا ندري أنكرت مثل الذي أنكرنا أم لا ؟ قال : نعم ، ولكن سوف أدخل على نسائه ، فإن كنّ أنكرن مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عامّ في الناس ، فاصبروا حتّى يكشف اللّه عنكم ، فإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خصصنا به ، فادعوا اللّه لملككم بالصلاح . فانطلق آصف فدخل على نساء سليمان ، فسألهنّ عنه ، فقلن : إن كان هذا سليمان فقد هلكنا وهلكتم ، وقال مجاهد : فأنكرته أمّ سليمان . قال الكلبيّ : فخرج آصف إلى الناس فأخبرهم ، فدعوا اللّه ربّهم أن يكشف عنهم . فلمّا رأى الشيطان الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحرا كثيرا على لسان آصف ، ثمّ دفنوه في مصلّى سليمان وبيت خزائنه وتحت كرسيّه ، ثمّ أضربوا عنه . وفشا الاستنكار من الناس للشيطان ، وانقضت أيّامه ، ونزلت الرحمة من اللّه لسليمان . فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر ؛ فأخذه حوت من حيتان البحر . وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن بنقل السمك من السفن إلى البرّ على سمكتين كلّ يوم . فأخذ في حقّه يوما سمكتين ، فباع إحداهما برغيفين ؛ وأمّا الأخرى فشقّ بطنها وجعل يغسلها ، فإذا هو بالخاتم ، فأخذه ، فالتفت إليه الملّاحون فعرفوه ، فأقبلوا إليه ، فسجدوا له . وكذلك تحيّة من كان قبلكم ، كانت تحيّتهم السجود ، وجعل اللّه تحيّة هذه الأمّة السّلام ، وهي تحيّة أهل الجنّة .