الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
9
تفسير كتاب الله العزيز
فجاء جبريل إليها في ذلك الموضع . فلمّا رأته قالَتْ له : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) : أي إن كنت للّه تقيّا فاجتنبني . قالَ : يعني جبريل قال : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) : أي صالحا . قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ : أي من أين يكون لي غلام ؟ . وقال بعضهم : كيف يكون لي غلام ؟ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) : أي ولم أك زانية . قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ : أن أخلقه وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا : أي لمن قبل دينه . قال : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) : أي كائنا . [ قال بعضهم : يعني كان عيسى أمرا من اللّه مكتوبا في اللوح المحفوظ أنّه يكون ] « 1 » . فأخذ جبريل جيبها بأصبعه فنفخ فيه فسار « 2 » إلى بطنها فحملت . قال تعالى : فَحَمَلَتْهُ قال الحسن : تسعة أشهر في بطنها . وقال بعضهم في قوله : ( فاتّخذت من دونهم حجابا ) أي : سترة من الأرض بينها وبينهم . فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) : أي منتحيا . أي : انفردت به مكانا شاسعا منتحيا . فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ : قال مجاهد : فألجأها المخاض « 3 » إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا : قال الحسن : ممّا خشيت من الفضيحة . وَكُنْتُ نَسْياً : لا أذكر مَنْسِيًّا ( 23 ) : أي لم أذكر . وقال بعضهم : شيئا لا يعرف ولا يذكر . وذكر بعضهم فقال : حيضة نسيتها . وقال بعضهم : المرأة النسوء « 4 » . وقال الكلبيّ : ( نسيا منسيّا ) قال القوم ينزلون المنزل ثمّ يرحلون فينسون الشيء ،
--> ( 1 ) زيادة من سع ورقة 22 و ، ومن ز ورقة 202 . ( 2 ) كذا في ب وع : « فسار » ، وفي سع وز : « فصار » . ( 3 ) كذا في ب وفي تفسير مجاهد ص 385 . وأصحّ منه اشتقاقا وأدقّ تفسيرا ما أورده الفرّاء في المعاني ، ج 2 ص 164 قال : ( فأجاءها المخاض ) من جئت ، كما تقول : فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة . فلمّا ألقيت الباء جعلت في الفعل ألفا ؛ كما تقول : آتيتك زيدا ، تريد : أتيتك بزيد . ومثله ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) [ الكهف : 96 ] فلمّا ألقيت الباء زدت ألفا ، وإنّما هو ائتوني بزبر الحديد » . وقد نقل الطبريّ في تفسيره ج 16 ص 63 هذا الشرح اللغويّ ، وذكر نفس الأمثلة والشواهد ، ولكنّه لم ينسب الشرح إلى صاحبه . ( 4 ) في سع ورقة 22 و : « قال حمّاد : النسوء التي يظنّ بها حمل فلا يكون كذلك » . وأصل الكلمة من نسأ ، لا من نسي .