الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

98

تفسير كتاب الله العزيز

مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 48 ) . قال الكلبيّ « 1 » : إنّ المشركين لمّا خرجوا من مكّة إلى بدر أتاهم الخبر ، وهم بالجحفة « 2 » قبل أن يصلوا إلى بدر ، أنّ عيرهم قد نجت ؛ فأراد القوم الرجوع . فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم « 3 » ، فقال : يا قوم ، لا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ، فإنّكم كثير ، وعدوّكم قليل ، فتأمن عيركم . وإنّي جار لكم على بني كنانة ألّا تمرّوا على حيّ من بني كنانة إلّا أمدّوكم بالخيل والرجال والسلاح . فمضوا كما أمرهم للذي أراد اللّه من هلاكهم . فالتقوا هم والمسلمون ببدر ؛ فنزلت الملائكة مع المسلمين [ في صفّ ] « 4 » ، وإبليس في صف المشركين في صورة سراقة بن مالك . فلمّا نظر إبليس إلى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه . وأخذ الحارث بن هشام المخزوميّ بيده فقال : يا سراقة ، على هذه الحال تخذلنا ؟ فقال : إنّي أرى ما لا ترون ، أي الملائكة ، إنّي أخاف اللّه واللّه شديد العقاب . فقال له الحارث : ألا كان هذا القول أمس . فلمّا رأى إبليس أنّ المؤمنين أقبلوا إليهم ، دفع في صدر الحارث فخرّ ، وانطلق إبليس وانهزم المشركون . فلمّا قدموا مكّة قالوا : إنّما انهزم بالناس سراقة بن مالك ونقض الصفّ ، ثمّ انهزم الناس . فبلغ ذلك سراقة ، فقدم عليهم مكّة فقال : بلغني أنّكم تزعمون أنّي انهزمت بالناس ؛ فوالذي يحلف به سراقة ما شعرت بمسيركم حتّى بلغتني هزيمتكم . فجعلوا يذكّرونه : أما أتيتنا يوم كذا وكذا ، وقلت لنا كذا وكذا ؟ فجعل يحلف لهم . فلمّا أسلموا علموا أنّه الشيطان .

--> ( 1 ) في بعض المخطوطات اضطراب وحذف أثبتّ التصحيح والزيادة من ز ، ورقة 120 . ( 2 ) الجحفة : قرية على طريق المدينة على ثلاث مراحل وقيل : أربع مراحل من مكّة ، وسمّيت كذلك لأنّ السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام . وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرّوا على المدينة . انظر : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، ج 2 ص 111 . ( 3 ) هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، يكنّى أبا سفيان . انظر ترجمته في الإستيعاب لابن عبد البر ، ج 2 ص 581 . ( 4 ) زيادة من ز ، ورقة 120 .