الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

332

تفسير كتاب الله العزيز

تابوت فجعل فيه غلاما . ثمّ عمد إلى نسور أربعة فأجاعهنّ ، ثمّ ربط كلّ نسر بقائمة من قوائم التابوت ، ثمّ رفع لهم لحما في أعلى التابوت ، فجعل الغلام يفتح الباب الأعلى فينظر إلى السماء فيراها كهيئتها . ثمّ يفتح الباب الأسفل فينظر إلى الأرض فيراها مثل اللجّة . فلم يزل كذلك حتّى جعل ينظر فلا يرى الأرض ، وإنّما هو الهواء ، وينظر فوق فيرى السماء كهيئتها . فلمّا رأى ذلك صوّب اللحم ، فتصوّبت النسور . فيقال ، واللّه أعلم ، إنّه مرّ بجبل فخاف الجبل أن يكون أمر من اللّه ، فكاد الجبل أن يزول من مكانه . فذلك قوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) . وذكر بعضهم أنّ نمروذ كان في التابوت ومعه صاحبه . فهو الذي جعل يأمره أن ينظر . فلمّا هاله ذلك أمره ، فنكس اللحم ، فانحدرت النسور . فبعث اللّه عليه أضعف خلقه : بعوضة ، فدخلت في منخره حتّى وصلت إلى دماغه فمات . وقال بعضهم : في قراءة عبد اللّه بن مسعود : ( وَإِنْ كاد مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) . وذلك تفسيرها عندهم . قال بعضهم : ذلك المكر ما عمل بالنسور ، فلا أعلمه إلّا قوله : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) أي : عظيما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي : يتشقّقن منه وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا أي : بأن دعوا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) [ سورة مريم : 88 - 91 ] . وتفسير الحسن في هذا الحرف : ( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) يقول : ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي : هم أهون على اللّه من ذلك « 1 » . قوله : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ : أي : ما وعدهم من النصر في الدنيا والجنّة في الآخرة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) : أي عزيز في نقمته ، ذو انتقام من أعدائه بعذابه .

--> ( 1 ) هذه هي قراءة الجمهور ، وهذا هو التأويل الذي رجّحه الطبريّ في تفسيره ، ج 13 ص 246 - 247 ط . الحلبي . انظر : ابن خالويه ، الحجّة ، ص 179 ، وابن جنّي ، المحتسب ، ج 4 ص 365 ، وابن الأنباري ، البيان في غريب إعراب القرآن ، ج 2 ص 61 - 62 .