الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
147
تفسير كتاب الله العزيز
قُلِ اسْتَهْزِؤُا : أي بمحمّد وأصحابه ، وهو وعيد هوله شديد ، كقوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] وهو وعيد . إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ( 64 ) : أي ما أكنتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه ، فذاكره عنكم . وأمّا قوله : اسْتَهْزِؤُا فهو جواب من اللّه لقولهم . وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ يعني كفّار المشركين قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي في المودّة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) [ البقرة : 14 - 15 ] . أي إنّما نحن مخادعون . والاستهزاء في هذا الموضع إنّما هو الخداع . ألا تراه يردّ عليهم جوابهم : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا . وقد أوضح ما تأوّلنا عليه الآية في النساء فقال : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإقرار ، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال . وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين . وبيان خدعه إيّاهم في سورة الحديد . وسنذكر ذلك أيضا في سورة الحديد إذا أتينا عليه ، كيف خدعهم اللّه عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين ، إذ سيقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم ، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم . فطفئ نور المنافقين ، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء اللّه . قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 ) . قال الكلبيّ : بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين رجع من تبوك ، بينما هو يسير إذا برهط أربعة يسيرون بين يديه وهم يضحكون . فنزل جبريل على النبيّ عليه السّلام فأخبره أنّهم يستهزءون باللّه تعالى ورسوله وكتابه . فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمّار بن ياسر فقال : أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم ممّا يضحكون ، فإنّهم سيقولون : ممّا يخوض فيه الركب إذا ساروا « 1 » .
--> ( 1 ) روى ابن هشام هذا الخبر عن ابن إسحاق بتفصيل في سيرته ، ج 4 ص 524 - 529 ، وأورده الواقديّ -