الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
132
تفسير كتاب الله العزيز
ويذهب ولا يبقى . وما في الآخرة باق دائم ، لا يفنى ولا يذهب . كقوله ما عِنْدَكُمْ أي في الدنيا يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ أي في الآخرة باقٍ [ النحل : 96 ] وكقوله : إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) [ سورة ص : 54 ] أي : من فناء . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً : أي موجعا . قال الحسن : يعني به العامّة الذين فرض عليهم الجهاد مع النبيّ عليه السّلام . وكان الجهاد يومئذ مع النبيّ فريضة . وقد كان النبيّ يخلّف قوما بالمدينة ، وفيهم من قد وضع عنه الجهاد . وكان هذا حين أمروا بغزوة تبوك [ في الصيف حين طابت الثمار واشتهوا الظلّ ] « 1 » . وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ : يقول : يهلككم بالعذاب ويستبدل قوما غيركم وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً : إن أهلككم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) . وفي هذه الآية دليل على أهل الفراق أنّ هؤلاء الذين وعدوا بالعذاب ممّن ناداهم اللّه بالإيمان ، وسمّاهم بما قبلهم من خصال الإيمان كلّما قيل المؤمنون فقال : ( إِلَّا تَنْفِرُوا ) أنتم الذين نودوا بالإيمان وسمّوا به ، ( يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) فلا يجوز لواصف أن يصف اللّه أنّه يعذبهم - إن لم ينفروا كما استنفرهم - وهم مؤمنون « 2 » . قال بعضهم : استنفر اللّه المؤمنين في شدّة لهبان الحرّ في غزوة تبوك على ما يعلم من الجهد . وفيها قيل ما قيل . قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ : يعني النبيّ عليه السّلام فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا : أي من مكّة ثانِيَ اثْنَيْنِ : أي أخرجوه ثاني اثنين إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا .
--> ( 1 ) زيادة من ز ، ورقة 126 . ( 2 ) هذا من كلام الشيخ هود الهوّاريّ ولا شكّ ، وقد ورد في المخطوطات الأربع : ق ، ع ، د ، ج ، وأكاد أجزم أنّه غير موجود في تفسير ابن سلّام الأصليّ ؛ لأنّه غير موجود في ز . ونرى في هذا نموذجا من أساليب الشيخ هود في إثبات أصل من أصول الإباضيّة في مسألة من مسائل الخلاف كمسألة الإيمان والكفر ، وجزاء أصحاب الكبائر من المؤمنين إن لم يتوبوا قبل موتهم ؛ كما نرى فيه طريقة من طرق حواره مع من يسمّيهم بأهل الفراق ، قارن هذا بقول الطبريّ وبقول ابن عبّاس حين سئل عن قوله : ( إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) وأنّ هذا العذاب هنا كان إمساك المطر عنهم . انظر تفسير الطبري ، ج 14 ص 254 - 255 .