الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

133

تفسير كتاب الله العزيز

وذلك أنّ قريشا لمّا اجتمعوا في دار الندوة ، فتوامروا بالنبيّ ، أجمع رأيهم على ما قال عدوّ اللّه أبو جهل من قتله . وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنفال « 1 » . فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه فخرج هو وأبو بكر ليلا حتّى انتهيا إلى الغار ، ونام عليّ على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فطلبه المشركون ، فلم يجدوه . ووجدوا عليّا على فراشه ، فطلبوا الأثر . وقد كان أبو بكر دخل الغار قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلمس الغار ينظر ما فيه ، لئلّا يكون فيه سبع أو حيّة ، يقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه . ثمّ دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الغار ، وأخذ ثمامة فوضعها على باب الغار ، فجعلا يستمعان وقع حوافر دوابّ المشركين في طلبهما . فجعل أبو بكر يبكي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما يبكيك يا أبا بكر ؟ قال : أخاف أن يظهر عليك المشركون فيقتلوك يا رسول اللّه ، فلا يعبد اللّه بعدك أبدا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) . فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خدّه . وكان أبو بكر أرقّ الخلق كلّهم وأحضره دموعا « 2 » . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ : قال الحسن : السكينة : الوقار . وقال بعضهم : السكينة : الرحمة . قال : وَأَيَّدَهُ : أي وأعانه بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها : يعني الملائكة عند قتالهم المشركين بعد . قال مجاهد : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ) يقول : فاللّه فاعل ذلك به ، أي ناصره كما نصره إذ هو ثاني اثنين . قال : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى : وهي كلمة الكفر وَكَلِمَةُ

--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء ، تفسير الآية 30 من سورة الأنفال . ( 2 ) تذكر بعض الروايات في كتب السيرة أنّ بكاه أبي بكر الصدّيق كان في الغار ، وتذكر أخرى أنّ ذلك كان عندما اقترب منهما سراقة في الطريق . ولا تنافي بين الروايات ، فلعلّ ذلك كان في كلتا الحالتين فقد كان أبو بكر رضي اللّه عنه رقيق القلب كثير البكاء .