الشيخ محمد علي السايس
32
تفسير آيات الأحكام
والإسلام فيما يستحقونه من حكم القتل ، ولذلك لم تقتل المرأة الساحرة ، لأن المرأة من المحاربين عندهم لا تقتل حدا . وإنما تقتل قودا . وقد ذكروا وجها آخر في قتل الذمي الساحر ، مع أننا أقررناه على كفره وهو : أن الكفر الذي صار إليه بسحره لم نقره عليه ، ولم نعطه الذمة عليه ، إنما أقررناه على كفره الظاهر ، ألا ترى أنه لو سألنا إقراره على السحر في نظير الجزية لم نجبه إليه . ولا يظنّ ظانّ أن أبا حنيفة إنما يقتل الساحر لحرابته لا لكفره ، لأنه لو كان كذلك لأجراه مجرى المحارب قاطع الطريق عنده ، فلم يقتله إلا إذا قتل . قال اللّه تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) ما نَنْسَخْ ( ما ) شرطية ، و ( ننسخ ) فعل الشرط . و نَأْتِ بِخَيْرٍ هو الجزاء . والنسخ يطلق في اللغة بإطلاقين : يطلق تارة ، ويراد منه الإبطال والإزالة ، ومنه نسخت الشمس الظلّ ، أزالته ، ونسخت الريح آثار القوم أعدمتها . وقال تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [ الحج : 52 ] أي يزيله ويبطله . ويقال تارة ويراد منه النقل والتحويل ، ومنه نسخت الكتاب ، أي نقلته من كتاب آخر ، ومنه تناسخ الأرواح ، وتناسخ القرون قرنا بعد قرن ، وتناسخ المواريث . ومنه قوله تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 29 ) [ الجاثية : 29 ] وفي « صحيح مسلم » « 1 » لم تكن نبوة قط إلا تناسخت . فأنت ترى أنه قد ورد النسخ بالمعنيين جميعا فقال الجمهور : إنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني ، وقال القفّال بالعكس ، وزعم قوم الاشتراك ، قال العضد « 2 » في « شرحه لابن الحاجب » : ولا يتعلق بهذا النزاع غرض علمي . وأما النسخ في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فقد ذكروا له تعريفات كثيرة ، نختار منها الآن ما اختاره ابن الحاجب « 3 » ، وندع التحقيق فيه إلى موضعه في الأصول فنقول :
--> ( 1 ) نسبه القرطبي في تفسيره ، الجامع لأحكام القرآن ، ط 2 ، بيروت ، دار الفكر ، إلى صحيح مسلم ( 2 / 62 ) . ( 2 ) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار ، متكلم أصولي توفي ( 757 ه ) انظر طبقات الشافعية للسبكي ( 6 / 108 ) . والأعلام للزركلي ( 3 / 295 ) . ( 3 ) عثمان بن عمر بن أبي بكر ، فقيه أصولي ، توفي سنة ( 646 ه ) انظر وفيات الأعيان ( 3 / 248 ) . والأعلام للزركلي ( 4 / 211 ) .