الشيخ محمد علي السايس

33

تفسير آيات الأحكام

النسخ : هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر . فقولنا : ( رفع الحكم الشرعي ) يخرج المباح بحكم الأصل ، فإنّ رفعه بدليل شرعي ليس بنسخ ، وقولنا : ( بدليل شرعي ) يخرج رفعه بالموت ، والنوم ، والغفلة ، والجنون ، فإنّ الرفع فيها من طريق العقل ، وإن جاء الشرع موافقا له في مثل : « رفع القلم عن ثلاث » « 1 » . وقولنا : ( متأخر ) يخرج نحو صلّ عند كل زوال إلى آخر الشهر ، ونحو ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] وقد لا يحتاج إلى مثل هذا ، لأنّ الحكم لم يثبت إلا بآخر الكلام ، فلا يقال : إنه رفع . والنسخ جائز عقلا بإجماع أهل الشرائع طرا ، ولم يخالف في ذلك إلا اليهود ، ثم هو واقع بإجماع المسلمين ، لم يخالف فيه إلا أبو مسلم الأصفهاني « 2 » . أما الجواز فأمر مفروغ منه ، لأنّا نقطع به ، لأنه لو وقع لم يترتب على فرض وقوعه محال ، ولا معنى للجواز إلا هذا ، ذلك بفرض أنّا لم نعتبر المصالح في التشريع ، أما لو راعينا أنّ التشريع قائم على أساس المصالح ، فالمصالح تختلف باختلاف الأوقات ، فما يكون صالحا في وقت قد لا يكون صالحا في كل الأوقات ، كشرب دواء في وقت دون وقت ، فلا بد في أن تكون المصلحة في وقت تقتضي شرع حكم ، ثم رفعه بعد ذلك الوقت ، والأمثلة في ذلك كثيرة ومشاهدة . وأما الوقوع فقد حصل النسخ في الشرائع السابقة ، وفي نفس شريعة اليهود ، فإنه جاء في التوراة : أن آدم عليه السلام أمر بتزويج بناته من بنيه ، وقد حرّم ذلك باتفاق . وأما الرد على الأصفهاني ، فقد أجمعت الأمة على أنّ شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام التي كانت في الشرائع السابقة ، وقد وقع النسخ في نفس شريعتنا ، فقد كانت القبلة في الصلاة أولا إلى بيت المقدس ، ثم تحولت إلى الكعبة ، وكانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة ، وقد نسخت بآيات المواريث ، وبالحديث « لا وصيّة لوارث » « 3 » وعدة المتوفى عنها زوجها كانت مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [ البقرة : 240 ] . ثم نسخت بآية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . وإذا ثبت أن النسخ جائز وواقع فلنرجع إلى تفسير الآية . مِنْ آيَةٍ : تخصيص لما في اسم الشرط من العموم ، آية مفرد وقع موقع الجمع ، والمعنى : أي شيء من الآيات ننسخ ، وهي في الأصل الدليل والعلامة ، وشاع استعمالها في طائفة من القرآن معلومة

--> ( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 4 / 130 ) في كتاب الحدود ، باب في المجنون يسرق حديث رقم ( 4398 ) . ( 2 ) محمد بن بحر توفي سنة 322 ه . من أهل أصفهان معتزلي كان عالما بالتفسير ، انظر الأعلام للزركلي ( 6 / 50 ) . ( 3 ) رواه الترمذي في السنن ( 4 / 337 ) في كتاب الوصايا ، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث رقم ( 2120 ) .