الشيخ محمد علي السايس

18

تفسير آيات الأحكام

المعنى : مالك الأمر في يوم الدين . معنى الآيات : الثناء والشكر للّه - دون ما يعبد من دونه - بما أنعم على عباده من الخلق والرزق وسلامة الجوارح ، وهدايتهم إلى سعادة الدنيا والآخرة . ويجوز أن يراد من الرب أيّ معنى من معانيه الثلاثة المتقدمة . فهو السيد الذي لا يبلغ سؤدده أحد ، والمصلح أمر خلقه بما أودع في هذا العالم من نظام يرجع كلّه بالمصلحة على عالم الحيوان والنبات . فمن شمس لولاها ما وجدت حياة ولا موت ، ومن مياه بها حياة الحيوان والنبات ، ومن أعضاء للغداء الذي به قوام الفرد ، وأخرى للتناسل الذي به قوام النوع ، وأخرى للسمع والأبصار ، ومعنى ملك يوم الدين ( 4 ) أن للّه الملك خالصا يوم الدين دون هؤلاء الملوك الجبابرة الذين كانوا ينازعونه العزة والجبروت في الدنيا ، كما قال تعالى : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) [ غافر : 16 ] . وأما تأويل قراءة ملك يوم الدين ( 4 ) فكما قال ابن عباس : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم في الدنيا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ : 38 ] وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [ طه : 108 ] . وقد يخطر سؤال عند قراءة الفاتحة ، وهو : أحمد اللّه نفسه ؟ وأثنى عليها ؟ وعلّمنا ذلك ؟ أم ذلك من قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو جبريل ؟ فإن كان الأول ، فما معنى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) واللّه معبود لا عابد ؟ فإن كان الثاني فقد بطل أن تكون الفاتحة كلام اللّه ، والجواب : أن الفاتحة من كلام اللّه ، وهي على معنى قولوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ . . . وقولوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ . . . . فإن قيل : وأين قوله قولوا ؟ قيل : إن العرب من شأنها إذا عرف السامع مكان الكلمة حذفها . واكتفت بدلالة ما ظهر من منطقها على ما حذف ، كقوله : وأعلم أنني سأكون رمسا * إذا سار النواعج « 1 » لا يسير فقال السائلون : لمن حفرتم ؟ * فقال المخبرون لهم : وزير أي الميت وزير ، فأسقط الميت إذ قد أتى الكلام بما يدل عليه . وإنما قال : الحمد للّه دون أحمد اللّه أو حمدا للّه ، لأنه لو قال ذلك لدل على حمد التالي للّه ، مع أن الغرض أن جميع المحامد والشكر الكامل للّه ، وهذا هو ما يؤديه الحمد للّه . وقال صاحب « الكشاف » « 2 » : عدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء ، مع

--> ( 1 ) الخفاف من الإبل ، انظر لسان العرب لابن منظور ( 2 / 380 ) . ( 2 ) محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ، ولد بزمخشر توفي سنة ( 538 ه ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ( 20 / 115 ) ترجمة ( 91 ) .