محمد محمود حجازي

4

التفسير الواضح

المعنى : ما على المحسنين من سبيل ، ولا على الذين أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معتذرين بأعذار حقيقية ، وقد تولوا ، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا لأنهم لم يجدوا ما ينفقون ، ولم يستطيعوا الذهاب معه إلى القتال . وليس على هؤلاء وأولئك جناح . إنما السبيل والذنب ، والجناح والإثم على الذين يستأذنونك في التخلف عن القتال وهم أغنياء موسرون ، يستطيعون القتال ويجدون الزاد والراحلة ، ولكن ما بال هؤلاء يستأذنون وهم أغنياء ؟ ! فأجيب بأنهم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف الذين لا خير فيهم ، كالنساء والصبيان ، والعجزة والمرضى ، ورضوا بأن يكونوا مع الذين شأنهم الضعة والدناءة ، وكان من أسباب تخلفهم زيادة على رضائهم بالقعود مع الخوالف أن طبع اللّه على قلوبهم ، وختمها حتى لا يصل إليها خير ، ولا يدخلها نور ، وهكذا أصحاب المعاصي تصدأ قلوبهم وتقسو حتى تصير كالحجارة أو أشد ، فهم لا يعلمون الخير حتى يتوجهوا إليه ، وهم بسبب ذلك لا يعلمون عاقبة ما فعلوا في الدنيا والآخرة . هذا كلام مستأنف مسوق لبيان ما صدر من المتخلفين عند رجوع المؤمنين لهم . يعتذرون إليكم أيها المؤمنون عن جميع سيئاتهم وأهمها التخلف عن القتال بغير عذر مقبول - والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، لأنهم كانوا يعتذرون إليهم جميعا - إذا رجعتم من الغزوة إليهم ، قل لهم أيها الرسول : لا تعتذروا ، وكأن سائلا سأل منهم لما ذا لا نعتذر بما يبرر عملنا ؟ فقيل لهم : لأنا لا نصدقكم أبدا فيكون اعتذاركم عبثا لا يترتب عليه ما تطلبون منه ، والذي حملنا على هذا أن اللّه - سبحانه وتعالى - قد نبأنا من أخباركم ، وأطلعنا على بعض نواياكم ، وما تكنه سرائركم وخبر اللّه هو الحق ، وقوله الصدق ، ومن عرف الحق لا يقبل الباطل بحال ، وسيرى اللّه عملكم ورسوله بعد الآن ، فلم يعد لكلامكم وظواهر حالكم قيمة عند اللّه وعند رسوله ، فإن تبتم وأنبتم ، وعملتم صالحا من الأعمال فاللّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، وإن أصررتم على النفاق والكفر فسيعلمكم الرسول بما أمره اللّه به في هذه السورة من جهادكم والإغلاظ عليكم ، ومنعكم من الخروج معه .