الغزالي
6
إحياء علوم الدين
وأما الوصية : فنقصد فيها تعريف ما على من نظر في كلام الناس وآخذ نفسه بالاطلاع على أغراضهم فيما ألَّفوه ، من تصانيفهم وكيف يكون نظره فيها واطلاعه عليها واقتباسه منها ، فذلك أؤكد عليه أن يتعلمه من ظهورها ، فشردوا عنها ، وغلقت في وجوههم الأبواب ، وأسدل دونهم الحجاب ، ولو أتوها من أبوابها بالترحيب ، وولجوا على الرضا بالحبيب ، لكشف لهم كثير من حجب الغيوب ، * ( والله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * « 1 » المقدمة اعلم أن الألفاظ المستعملة ، منها ما يستعمله الجماهير والعموم ، ومنها ما يستعمله أرباب الصنائع ، والصنائع على ضربين ، علمية وعملية ، فالعملية كالمهن والحرف ، ولأهل كل صناعة منهم ألفاظ يتفاهمون بها آلاتهم ، ويتعاطون أصول صناعتهم ، والعلمية هي العلوم المحفوظة بالقوانين المعدلة ، بما تحرر من الموازين ، ولأهل كل علم أيضا ألفاظ اختصوا بها لا يشاركهم فيها غيرهم ، إلا أن يكون ذلك بالاتفاق من غير قصد ، وتكون المشاركة إذا اتفقت إما في صورة اللفظ دون المعنى أو في المعنى وصورة اللفظ جميعا ، وهذا يعرفه من بحث عن مجاري الألفاظ عند الجمهور ، وأرباب الصنائع ، وإنما سمينا من العلوم صنائع ما قصد فيها التصنع بالترتيب في التقسيم ، واختيار لفظ دون غيره ، وحد بطرفين ، مبدأ وغاية ، وما لم يكن كذلك فلا نسميه صناعة ، كعلوم الأنبياء صلوات الله عليهم والصحابة رضي الله عنهم ، فإنهم لم يكونوا فيما عندهم من العلم على طريق من بعدهم ولا كانت العلوم عندهم بالرسم الذي هو عند من خلفهم ، ومثل ذلك علوم العرب ولسانها ، لا نسميها عندهم صناعة ونسميها بذلك عند ضبطها ، بما اشتهر من القوانين وتقرر من الحصر والترتيب ، ولأرباب العلوم الروحانية وأهل الإشارات إلى الحقائق والمسلمين بالسادة ، والملقبين بالصوفية ، والمتشبهين بالفقراء ، والمعروفين
--> « 1 » النور : 46