الشيخ محمد الصادقي

512

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

10 - إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ككل ، ولا سيما تحت شجرة الرضوان بصلح الحديبية : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " ( 18 ) إِنَّما ليس إلا أنهم يُبايِعُونَ اللَّهَ بيعة إيمانية في الحق ، مهما بايعوا رسول اللّه ( ص ) ف يَدُ اللَّهِ سلطة ورحمة في مبايعة وسواها ، هي فَوْقَ أَيْدِيهِمْ كونا وكيانا ، دون جارحة هي جارحة محتد الربوبية ، ولا أي مكان أو زمان ، إلا مكانة فائقة لا تشبه سائر الأيدي ، فلأن اليد مستعملة في اللّه وفي خلقه ، فآياتها - إذا - متشابهة ، لا بد من تجريدها عما للخلق كتجرد ذاته تعالى ، إذ " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " ( 42 : 11 ) و " لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ " ( 6 : 103 ) وما أشبه من محكمات دلالية بعد عقلية تنزهه تعالى عن جسم وزمان ومكان فَمَنْ نَكَثَ تلك البيعة من هؤلاء العشرة المبشرة وغيرهم فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ خارجا عنها بعد بداية البشارة ، إذ كانت مشروطة بالإيفاء وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ في مبايعته فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً . 11 - سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ أصحاب البوادي ، البعيدين عن المعرفة الإيمانية ، وذلك في فتح خيبر قبل الفتح المبين شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا عن الخروج معك للقتال و الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ( 9 : 97 ) فَاسْتَغْفِرْ لَنا اللّه إعذارا لنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ المقلوبة ، نفاقا عارما دون وفاق ، إذ شغلهم نفاقهم لا سواه قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يخلصكم إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ يمنع عنكم إن أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً فإنه هو الضار وهو النافع بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً رغم تستّركم في نفاقكم . 12 - ليس " شَغَلَتْنا " بَلْ ظَنَنْتُمْ ظن السوء أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ من هذه الحرب إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً فتركتموا الخروج حفاظا على أنفسكم وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وكأنكم أيقنتم بذلك وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ذلك وَكُنْتُمْ إذا قَوْماً بُوراً خاوين من كل إيمان باللّه ، غاوين في كفركم وتكذيبكم باللّه . 13 - وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بورا فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً نارا شديدة التأجج ، وكما تأججوا كفرا وأججوه . 14 - وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهما الكون كله يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ هو غفرا فيشاءه اللّه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عذابا فيعذبه اللّه وَكانَ اللَّهُ كأصل رحيمي غَفُوراً رَحِيماً ما أمكنا في عدله وفضله ، في موضع الغفر والرحمة . 15 - سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ من الأعراب ، القاعدين مع الخالفين إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها بعد غلبكم فيما تخلفوا عنه ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ هنا ، مهما تركناكم في أصل الحرب يُرِيدُونَ بذلك أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أنهم لا يتبعونكم قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا حتى في أخذ الغنائم خوفا من تجدد الحرب ، استحالة الاتباع باختيارهم كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ : " وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ " ( 9 : 46 ) والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، وهذا من الملاحم القرآنية ، في استحالة تخلف كلام اللّه ، ولو ممن لهم خيار الاتباع قوليا تبديلا لكلام اللّه فَسَيَقُولُونَ ليس كما تقولون بَلْ أنتم تَحْسُدُونَنا في تلكم المغانم لتأخذوها لأنفسكم وتحرمونا نحن عنها بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ الحق إِلَّا قَلِيلًا يكلفهم أن يفقهوه كله .