الشيخ محمد الصادقي

513

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

16 - قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ القاعدين مع الخالفين سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تعبير عنهم بشديد البأس لمرة أولى ، مما يجعل خطر هذه المواجهة أكثر من غيرها طوال الحروب ، فلعلها كلها قتال الفتح وقتال فرس تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ وقد أسلموا دون قتال في فتح مكة ، ومع قتال قليل مع الفرس فَإِنْ تُطِيعُوا تلك الدعوة يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ في حرب خيبر وسواها يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً . 17 - لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ فلا يجب عليهم الاستجابة مهما كانت راجحة : " فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ " ( 2 : 184 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في يسر أو حرج يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ عن واجب الطاعة يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً . 18 - لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ في بيعة الرضوان : " فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً " ( 48 : 10 ) فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً هو فتح مكة ، و " علم " هنا حادثا هو من العلم ، أن جعل اللّه لما في قلوبهم علامة ظاهرة تعرف من نكث ووفاء ، وهو أزليا من العلم أنه كان عالما بما في قلوبهم أيا كان ، وكلاهما هنا معنيان توسعا بليغا فيهما . 19 - وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها في الفتح القريب وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ، غلبا بعزته ، وحكمة في الحروب ابتلاء . 20 - وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً نفسية ومادية تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ الغنائم في فتح قريب وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ المشركين بمكة عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ هذه كلها آيَةً ربانية لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً بفتح عاصمة الدعوة ، كما " وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً " * لشخص الرسول قائد للقوات الرسولية الغالية ، فهدي الصراط المستقيم درجات . 21 - وَ مغانم أُخْرى مؤجلة شرط صامد الإيمان لَمْ تَقْدِرُوا بأنفسكم عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها بقدرته نفسه وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً دونما استثناء ، فلا يبرز قوته تماما في الحرب السجال ، تطبيقا لاختيار في عالم التكليف . 22 - وَلَوْ قاتَلَكُمُ أنتم المؤمنين المرضيين عند اللّه ، أيا كنتم وأيان الَّذِينَ كَفَرُوا أيان وأين في أي زمان أو مكان لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ عنكم ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً . 23 - أعني سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ في تغلّب المؤمنين الحقيقيين وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا إلا أن يبدل المؤمنون سنة الإيمان الصامد ، غير الخامد ، وقد ذكرت شروط سنّة الإنتصار لهم في آيات أخرى ، ومنها : " إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ " ( 47 : 7 ) " وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " ( 3 : 139 ) و " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ " ( 3 : 108 ) شرط أن يكونوا معتصمين باللّه ، مهتدين إلى صراط مستقيم ( 97 ) متقين اللّه حق تقاته ( 98 ) معتصمين بحبل اللّه لا متفرقين ( 99 ) داعين إلى الخير ، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر مفلحين ( 108 ) ثم " لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً " ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا ينصرون وكل ذلك شرط الكفاح ، ولا سيما إذا أمر اللّه ، كما في حرب طالوت جالوت وما أشبه ، فليست غلبة المؤمنين في حروبهم لمجرد الإيمان ، بل وعلى شروط لغلبهم دون تخلف ، كما تخلفت الرماة الخمسون في حرب أحد فانهزم المسلمون ، ثم تغلبوا بما أصلحوا أنفسهم .