الشيخ محمد الصادقي
504
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
15 - وَوَصَّيْنَا بجمعية الرحمات الرحيمية الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ملاصقا لمكان الباء ، أن يحسن إليهما بقمته إِحْساناً والوصية هي أمر فوق الأمر ، فرضا فوق الوجوب ، فتركه إليهما سوء ، ثم الإساءة أسوء ، والوالدة هنا أقرب وأحرى بالإحسان إليها ، إذ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً منذ اللقاح تجرّحا بتحرّج ، مهما كان فيه لذة ، ثم حملا في حملها إياه وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً تجرحا وتحرجا آخر ، مهما كان فيه فرح الولادة ، ثم وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً أنها تحمل تربيتها جنينا ورضاعة ، ثالثة ، والوالد فارغ عنها كلها إلا لذة آنية ، و " ثَلاثُونَ " هنا " وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ " ( 31 : 14 ) بقرنهما تدلان على أن أقل الحمل ستة أشهر حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع الشّدّ وأقله شدّات ثلاث : جسما وعقلا ورشدا فيه وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وهو كمال الأشد قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي : ألهمني معرفيّا وعمليا أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ولادة تربوية وَعَلى والِدَيَّ توليدا وتربية بحنان وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي لصالحي فِي ذُرِّيَّتِي نسبا وسببا وصداقة إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ مما أخطأت وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لك بعد إيماني ، تسليما أمامك بكل كوني وكياني . 16 - أُولئِكَ الأكارم هم الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بكل بدّ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا بما أحسنوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ ككل : " إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً " ( 4 : 31 ) أعني وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ . 17 - فأين هذا وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما : " فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً " ( 17 : 23 ) فضلا عن أفّ بوعد الحق أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ حيا بعد موتي وَقَدْ خَلَتِ مضت الْقُرُونُ المتطاولة الخالية مِنْ قَبْلِي ولم يخرجوا ، ويكأن الخروج هو في هذه الحياة الدنيا ، ولو كان لم يدل على خروج للأخرى ، مع أن جماعات قبلهم خرجوا إلى الدنيا ، وَ الحال أن هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أن وَيْلَكَ آمِنْ باللّه ، فهو - إذا - عقوق على عقوق ، تركا لحقوق على حقوق ، والدية وعظة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وخرافاتهم المسطورة تلو بعض البعض . 18 - أُولئِكَ الحماقي هم الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ كلمة العذاب المحتوم المختوم فِي أُمَمٍ جماعات قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إذ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ كل حياتهم وحيوياتهم . 19 - وَلِكُلٍّ من الصالحين والطالحين دَرَجاتٌ علوا وسفلا مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ وفاء كاملا في البرزخ وأكمل في الأخرى أَعْمالَهُمْ بنفسها أن تظهر هناك بملكوتها ، فهي هي الجزاء وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ف " هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ " ( 3 : 213 ) حسب أعمالهم في بركات ، أو دركات ، ف " هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 27 : 90 ) . 20 - وَ اذكر يَوْمَ القيامة ، حيث يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ عرض النار على النار في دار القرار ، فيقال لهم أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ مما أوتيتم من نعم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا دون أن تقدموها لأنفسكم وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فيها كأن لا حياة بعدها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ كما أهنتم طيباتكم بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ على اللّه وعلى أهل اللّه فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ فيها عن طاعة اللّه مستكبرين .