الشيخ محمد الصادقي
500
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
14 - قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ كأيام الدولة الإسلامية ، ويوم الرجعة المهدوية والبرزخ والقيامة لِيَجْزِيَ اللّه قَوْماً لا يرجونها بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ولا تعني " يَغْفِرُوا " هنا عفوا ، إذ ليس غفرهم عن خطاياهم ، وحتى ظلمهم بهم بأيديهم ، إنما هو إمهال دون إهمال ، إعراضا عنهم دون مجابهة إياهم إلا كما يقدرون ، دفاعا عن الدين والدينيين " وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " ( 14 : 5 ) ولأن السورة مكية فالقصد من غفرهم هو عدم جهادهم إذ لا يقدرون ، إلا في أيام اللّه ، ويومها الأول السلطة المدنية الإسلامية ولا سيما بعد فتح مكة . 15 - مَنْ عَمِلَ صالِحاً قبل أيام اللّه وفيها فَلِنَفْسِهِ فيها وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها فيها ثُمَّ في اليوم الآخر إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ . 16 - وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وحيا أصيلا وَالْحُكْمَ ككلّ بالكتاب والسنة الرسولية وَالنُّبُوَّةَ وهي رفعة في الرسالة ، حكما سلطويا مع نبوة كما لداود وسليمان ، أم دونهما كما تطلّبوا من نبي لهم " ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ( 2 : 246 ) فبعث اللّه طالوت ملكا ، وكذلك ملك القيام بالنفس والنفيس خروجا عن أسر فرعون وملئه : " اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً " ( 5 : 20 ) و " مُلُوكاً " هنا ليست لتعني ملك النبوة ولا ملكا زمنيا ، إلا تحررا عن أسرهم بأسرهم لمكان " كم " الجامعة لجميعهم وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ زمنهم أو من قبلهم دون المحمديين . 17 - وَآتَيْناهُمْ آيات بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ : الدين ، إذ تنشعب منه شرائع اللّه فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بيّنا بَغْياً بَيْنَهُمْ وهم على بينة من ربهم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . 18 - ثُمَّ بعد انقضاء شرعتهم جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ هي أخيرتها إلى يوم الدين فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هذه الشريعة جهلا أو تجاهلا ، كتابيين أو مشركين و " الْأَمْرِ " هنا هو أصل الدين ، متشرعا إلى خمس . 19 - إِنَّهُمْ أهل الهوى لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في الدنيا والآخرة وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فيهما دون أن يغنوا من اللّه شيئا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ في الدنيا والآخرة . 20 - هذا القرآن بوحدته ، دون أية وهدة بَصائِرُ لِلنَّاسِ جمع البصيرة ، مبالغة البصير ، لأن بصائره تجمع أحكام وحي الشرعة إلى آية الرسالة ، بالغة فيهما إلى يوم الدين : " قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي " ( 12 : 108 ) " وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ " حسية " قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( 7 : 203 ) وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . 21 - أحسب . . ألا حساب ولا جزاء أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ كلها أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في الآخرة ثوابا لهما سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ في الحساب والجزاء ، أو اللّاحساب واللّاجزاء ، تسوية بين المحسن والمسئ ، أو عكسا : " أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ " ( 38 : 28 ) " أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ " ( 68 : 35 ) . 22 - وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ كلّه ، بداية وغاية وسببا ومصاحبة وَ من حقه لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ خيرا أو شرا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ألا تجز ، أو يجزى الكفار في دار القرار أكثر مما كسبوا ، كما يفترون على اللّه أنه يبقي أهل النار فيها دون نهاية .