الشيخ محمد الصادقي
454
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
17 - اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ويغولون ، دون تأخر عن الدعوة ولا تلكّؤ فيها وَاذْكُرْ تثبيتا للصبر عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ الطويلة من قذرات إِنَّهُ أَوَّابٌ كثير الرجوع إلى اللّه . 18 - إِنَّا بجمعية الرحمات سَخَّرْنَا كذلك الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ كما يسمع " وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " ( 17 : 44 ) بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ . 19 - وَ سخرنا الطَّيْرَ " مَعَهُ يُسَبِّحْنَ " حالكونها مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ رجوعا إليه ومعا إلى اللّه " وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ " ( 24 : 41 ) " وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ " ( 21 : 79 ) . 20 - وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ 21 - وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ خبر ذو فائدة ل الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ارتقاء متكلّفا إلى سور المحراب من غير باب . 22 - إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ المحراب فَفَزِعَ مِنْهُمْ تصورا من تسوّرهم قالُوا لا تَخَفْ منا ، إذ لا نخاصمك ، إذ نحن خَصْمانِ مع بعضنا البعض بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فيما نعرضه فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ الحقيق بالاتباع وَلا تُشْطِطْ في الحكم ، إفراطا في البعد عن الحق ، سلب وإيجاب لا يناسبان ساحة النبوة أبدا ، فهما فزع ثان وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ هو ثالث يفزع . 23 - إِنَّ هذا الخصم أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ هي كلها نعاج لا نساء ، كما اختلق على داود عليه السلام ، أنه جلب إلى نفسه امرأة أو رياه الحتّي رئيس جنده وهي واحدة له ، وعنده تسعة وتسعون امرأة ، إسرائيلية نكدة نتنة وفرية ماردة على داود عليه السلام ، وأن سليمان ولد من هذه المحتلة ذات البعل وعوذا باللّه فَقالَ أخي أَكْفِلْنِيها ضما لها إلى نعاجي دون حق وَعَزَّنِي شدد علي بقوة فِي ذلك الْخِطابِ . 24 - قالَ داود من فوره ، دون أن يتساءل عن أمرهما ، استعجالا في الحكم بزهوة الملكية ، انقطاعا وقتيا عن الحكم بالوحي الرسالي لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ في عز خطابه ، ظلما مضاعفا وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ شططا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ فلا يبغي بعضهم على بعض وَظَنَّ حينئذ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ بتلك المخاصمة والحكم العاجل بعد ما عرف حقه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً راجعا إلى اللّه ، خرّا إلى السجود حال ركوعه وَأَنابَ رجوعا إلى اللّه . 25 - فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ الخطاء من الزهوة الملكية بانقطاع رحمة حينها ، فلم يكن إلا خطأ صغيرا وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى قربي وَحُسْنَ مَآبٍ رجوع ، فهو قبل رجوعه قريب ، ومع رجوعه حسن ، حسنا على حسن ، فلم يعص ربه في حكمه العاجل ، فإنما استعجل لشدة عدله ودهشته عن الظلم ، ومن ثم جعله اللّه رسولا كآدم " وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى " . 26 - وقلنا له يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ من الآن خَلِيفَةً تخلف الأنبياء قبلك فِي الْأَرْضِ مما يبرهن أنه حينذاك لما يكن رسولا فَاحْكُمْ من الآن بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وحيا وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى مهما كان هوى عقلك فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو اتباع الوحي إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ قدر ضلالهم بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ . هنا توحي " إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً " أن جعل الخلافة الربانية تختص باللّه تعالى ، وحتى الرسول ( ص ) لا يحق له ذلك الاستخلاف ، فضلا عمن دونه ، وعن شورى السقيفة ! .