الشيخ محمد الصادقي
430
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
15 - لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ رجل ولد عشرة من العرب ، هم ارتقوا في سلّم الحضارة ، أقاموا خزّانا طبيعيا للماء بين جبلين فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ نعمة ربانية جَنَّتانِ لعلّهما المسقاتان من ذلك الخزّان عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ تحيطان بهم ، وقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ لا سواه ، فهذه بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ ذلك رَبٌّ غَفُورٌ . 16 - فَأَعْرَضُوا عن شكره كفرا بعد إيمان ، وعوذا باللّه من نعمة تبدل نعمة ونقمة فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ السماء مدرارا ، أصبح عليهم سَيْلَ الْعَرِمِ حيث يجرف كل ما بين يديه ، فحطّم سدهم وجنتهم وَبَدَّلْناهُمْ كما بدلوا بِجَنَّتَيْهِمْ النضرتين جَنَّتَيْنِ قذرتين ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ذي شوك وَأَثْلٍ شجر ثابت الأصل كالطرفاء وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ فليأكلوا شائكا طرفاء وسدرا . 17 - ذلِكَ العظيم جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا بنعمة اللّه ، حيث أخذتهم العزة بالإثم وَهَلْ نُجازِي بعذاب إِلَّا الْكَفُورَ كثير الكفر أو الكفران . 18 - وَ من نعمنا عليهم قبل كفرهم ، مع جنّتيهم الناضرتين ، أن جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها لعلّها قرى القدس قُرىً ظاهِرَةً طول الجادة متصلة بعضها ببعض ، متواصلة النضارة وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ بينهما ، تقديرا متناسبا متناسقا ، لا تعب فيه ولا خوف إلا نضارات متواصلة ، لحد سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ لمواصلة القرى تلو بعض البعض ، مما يجمع إلى النضارة أمنا ، وإلى الأمن نضارة ، فهما نعمتان مجهولتان الصحة والأمان . 19 - فَقالُوا حين غالوا في رياحتهم رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا كأنهم تعبانون من مواصلة النعمة والأمن في أسفارهم وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ في تطلّبهم ، ونكرانهم نعمة ربهم فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يتحدث عنهم في النوادي بحمقهم في عمقهم وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بما طلبوا وكفروا بنعمة اللّه إِنَّ فِي ذلِكَ التبديل والتمزيق لَآياتٍ ربانية لِكُلِّ صَبَّارٍ في كل نقمة ونعمة شَكُورٍ على كل نعمة ، والدهر لك يومان يوم لك ويوم عليك ، فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكلاهما ستختبر . 20 - وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فصدقوه في ظنه الكاذب في خطواته بشيطناته فَاتَّبَعُوهُ كلهم إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لا كلهم ما فيهم شيطنات ، وكما أوعد : " فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " ( 38 : 83 ) . 21 - وَما كانَ أبدا لَهُ عَلَيْهِمْ شيء مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ علما وعلامة مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ إذ فسحنا له مجال الشيطنة ، حيث الدار دار الاختيار ، دون تسيير وإجبار ، ف " نعلم " استثناء منقطع ، إذ لا تعني سلطة إبليسية ، بل ابتلاء ربانيا : " وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ . . " ( 14 : 22 ) وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ حسب حكمته الحاكمة عليها . 22 - قُلِ لهؤلاء الأنكاد إعراضا ، بأمر يعنى أشد النهي ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ في محاويجكم ولكنهم لا يَمْلِكُونَ لهم ولا لكم مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ مع اللّه حتى يملكوا معه وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ فلا مظاهرة بينهم وبين اللّه .