الشيخ محمد الصادقي
429
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
8 - أافترى عَلَى اللَّهِ كَذِباً " إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ " أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ينبئكم بجنّته بَلِ لا افتراء ولا جنة ، وإنما الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ رغم براهينها ، هم فِي الْعَذابِ هنا وهناك وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ عن الهدى مطلقا ، فلا يؤمل لهم هدى ، إذ طبع اللّه على قلوبهم . 9 - أَ فَلَمْ يَرَوْا بصرا أو بصيرة إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قدامهم أفقا دائريا يحيط بهم وَما خَلْفَهُمْ أفقا آخر مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ رؤية لهما لكل سكنة الأرض ، مما يدل على كرويتها ، إذ إن لكلّ " ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ " فالأول هو الأفق الدائري لكل إنسان على الأرض ، مرئيا له ، والآخر هو الأفق الدائري الآخر وراء أفقه المرئي ، كما أن لكلّ أفقين نصف دائريين قداما وخلقا ، فقدام كلّ هو خلف الآخر في كل الأرض إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ ككل أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً قطعا حجرية وما أشبه مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ الخسف والكسف لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ إلى اللّه . 10 - وَلَقَدْ بتأكيدين آتَيْنا ثالثا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا على بعض ممن سواه من النبيين ، أن قلنا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ رجوعا إلى اللّه حيث يسمع وَالطَّيْرَ " آتَيْنا " ه طيرا يئوب معه كالجبال : " وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ " ( 38 : 19 ) وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فهو كالخمير يمير . 11 - أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ دروعا واسعات وَ أن قَدِّرْ فِي السَّرْدِ النسج للسابغات من لين الحديد ، ثم أنتم الشعب وَاعْمَلُوا صالِحاً يصلح لذلك الفضل حكما بين الناس إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فللعاملين صالحا نصير . 12 - وَ آتينا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الخاص ، دون سائر الأرياح : " وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها " ( 21 : 81 ) غُدُوُّها شَهْرٌ حيث تجري به قدر شهر لغده حتى الزوال وَرَواحُها شَهْرٌ تجري حتى العصر وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ النحاس فوق الأرضية وتحتها دون عبء الاستخراج وَمِنَ الْجِنِّ بعضا مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ تشريعا وتكوينيا وَمَنْ يَزِغْ انحرافا مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا عملا بين يديه نُذِقْهُ هنا ولا سيما في الأخرى مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ شديدة التأجج والتفجج ، وهنا " بَيْنَ يَدَيْهِ " تعني أمام سلطته لا فقط بحضرته ، إذ " وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ " ( 21 : 82 ) . 13 - " بَيْنَ يَدَيْهِ " يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ ه مِنْ مَحارِيبَ العبادة وَتَماثِيلَ المجسمات ، حيوانية وإنسانية ، ولا يقال للمجسمات الشجرية " تَماثِيلَ " أم هي من مصاديقها النازلة ، فكيف يحرم عمل الصور المجسمة ، وهي مشيئة سليمانية حسب الشرعة التوراتية ، ولم ينسخه القرآن ، بل ينقله هنا تثبيتا لفضيلة سليمانية ، ثم ولا يمكن نسخه في القرآن نفسه فضلا عن السنة ، حيث المحظور هنا لو كان فهو عبادة تماثيل ، ولعلّ المنع عن صنعها يعني نفيها في البداية الملتصقة بعبادتها وَجِفانٍ كحياض كَالْجَوابِ جابية يرد فيها الماء وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً لا فقط لفظيا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ البالغ في شكره . 14 - فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ عمليا ، حيث تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ عصاه فَلَمَّا خَرَّ إلى الأرض تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ العاملون له أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ومنه موته ما لَبِثُوا فِي ذلك الْعَذابِ الْمُهِينِ جبرا عمليا لديه دون رضاهم .