الشيخ محمد الصادقي

416

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

12 - وَلَوْ رجاء لك تَرى كما سوف ترى إِذِ الْمُجْرِمُونَ كهؤلاء الأنكاد ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ طاطأة في ذلّ وانكسار عِنْدَ رَبِّهِمْ حين إليه يرجعون ، قائلين رَبَّنا أَبْصَرْنا الحق الآن وَسَمِعْنا ه ، كأنهم لم يبصروه ويسمعوه من قبل : " وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ . فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ " ( 67 : 19 ) فَارْجِعْنا إلى حياة التكليف نَعْمَلْ صالِحاً بإيمان صالح ، مما يدل على أن الإيمان بمجرده لا يكفي إِنَّا مُوقِنُونَ الآن " وَلَوْ " مستحيلا في الحكمة الربانية " رُدُّوا " كما يسترجون " لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ " ( 6 : 28 ) " وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ " ( 35 : 37 ) . 13 - وَلَوْ مستحيلا في الحكمة الربانية شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ بنفسها هُداها دون أن يطلبها أو يتركها ، تسييرا دون تخيير وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ملأ للعذاب على المقصرين ، قضية سقوطهم في الابتلاء " وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً " ( 10 : 90 ) وقد يعني " أجمعين " هنا ملأوردها : " إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا " ( 19 : 71 ) فورد الصالحين هو غير ورد الصالحين ، وكذلك يوم الدنيا ابتلاء للفريقين ، أو أن " أجمعين " هم المجرمون فقط " لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ " ( 38 : 85 ) كلّ محتمل والجمع أجمل . 14 - فَذُوقُوا الآن بِما نَسِيتُمْ عامدين لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا فتركتم ما يتوجب عليكم إِنَّا نَسِيناكُمْ كما نسيتمونا وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ ما دامت النار بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بنسيانكم ذلك اللقاء . 15 - إِنَّما ليس إلا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا من هو في طريق الإيمان ، تفتيشا عنه ، أو تذكرا به إذ يصغي ولا يعرض الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها تذكيرا بيّنا يقنع ، حيث يتذكرون الأحكام الفطرية والعقلية رباطا وثيقا بالشرعة الربانية خَرُّوا على الأرض تخضعا سُجَّداً للّه وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إذ تذكروه وَهُمْ أولاء الأكارم لا يَسْتَكْبِرُونَ أمام ربهم ، والسجدة هنا هي غاية التخضع للّه ، سجودا واجبا عند تلاوة آياته كهذه ، أم كيفما كان ، ومنه واجب الاستماع للقرآن كأقل مدارج السجود ظاهريا . 16 - تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ لقيامهم في صلاتهم وهو من سجودهم وغاية خضوعهم ، حال أنهم على كلّ حال يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً عمّا قصروا أو قصّروا وَطَمَعاً في رحمته وغفرانه وَ هم مِمَّا رَزَقْناهُمْ حالا ومالا على أية حال يُنْفِقُونَ للّه وفي سبيل اللّه . 17 - فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ صالحة ما أُخْفِيَ لَهُمْ ماضيا من ملكوت صالحاتهم ، مما يدل على أن " قُرَّةَ أَعْيُنٍ " * هي كائنة معها خفية ثم تظهر في الأخرى مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ الصالحين ، دون كل نفس فقط لنفسها جَزاءً هي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ باطنا وظاهرا . 18 - أَ بعد ذلك فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً قبل موته كَمَنْ كانَ فاسِقاً قبله ، في الجزاء يوم الجزاء ؟ كلّا بل لا يَسْتَوُونَ عند اللّه ، فإنها تسوية ظالمة . 19 - ومن عدم استواءهم أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا باللّه وَعَمِلُوا جميع الصَّالِحاتِ لإيمانهم فَلَهُمْ لا سواهم جَنَّاتُ الْمَأْوى السّكن الدائم بعد البرزخية الموقتة نُزُلًا ضيفا نازلين فيها بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يوم التكليف . 20 - وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا عن الإيمان وعمل الصالحات فَمَأْواهُمُ النَّارُ في دار القرار كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها إلى الجنة أو إلى مكان ثالث فرارا عن النار أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .