الشيخ محمد الصادقي
417
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
21 - وَلَنُذِيقَنَّهُمْ هؤلاء المكذبين مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى بعضا ، وهذه الأدنى هي في الدنيا ، دونما هي في الرجعة أو الاستيصال ، لمكان دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن غيهم ، إذ لا رجوع بعد عذاب الاستئصال ، كما لا رجوع في يوم الرجعة لمن بعث فيه مكذبا ، وكذا البرزخ بينهما إلا الرجعة . 22 - وأما الذين لا يرجعون بالعذاب الأدنى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ بعذاب وسواه من مذكر ثُمَّ بدل أن يتجه إليها أَعْرَضَ عَنْها نظرا إليها : " وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا " ف إِنَّا بجمعية القدرات الربانية مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ " جَزاءً وِفاقاً " . 23 - وَلَقَدْ بتأكيدين آتَيْنا بجمعية الصفات الربانية مُوسَى الْكِتابَ التوراة ، وهنا تشابه بين الرسولين والكتابين مهما كانا درجات فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ حيث يزيلان تلك المرية من لقاءه المعرفي هنا وفي الأخرى معرفة علميا وحسابا وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ كرأس زوايا الهداية ثم للعالمين . 24 - وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أولاء المهديين أَئِمَّةً رسلا يؤمّون الناس يَهْدُونَ بِأَمْرِنا تكوينيا وشرعيا ، مما يدل على أن جعل الإمامة إنما هي من اللّه لَمَّا صَبَرُوا على مسير الإيمان ومصيره وَكانُوا على طول خط حياة التكليف بِآياتِنا كلها يُوقِنُونَ . 25 - إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بقمة التربية الرسولية هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يوم الفصل يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أن خالفوا الحق أو اختلفوا فيه ، فصل الحكم والحساب والجزاء الأوفى ، وفصل المعرفة لسائر المكلفين . 26 - ألم يهد لهم المرسلون أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ أن كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ أولاء الكفار مِنَ الْقُرُونِ الخالية كما يقوله التأريخ يَمْشُونَ الكفار الحاليون فِي مَساكِنِهِمْ هؤلاء الماضين : " وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ " ( 14 : 45 ) " فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا " ( 28 : 58 ) إِنَّ فِي ذلِكَ العظيم الهدى ، البعيد المدى لَآياتٍ ربانية أَ فَلا يَسْمَعُونَ بعد إلى هذه البينات . 27 - ألم يروا الرسل وإهلاكات أَ وَلَمْ يَرَوْا بعد أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ الخاوية عن النبات لعدم الماء فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ إحياء لميت الأرض أَ فَلا يُبْصِرُونَ إلى ذلك الإحياء المتواتر ، فيتبصروا إلى الحياة الأخرى ليأكلوا فيها ما ادخروه لها . 28 - وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ " يَوْمَ الْفَتْحِ " إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ويكأن العلم بمتاه شرط للعلم بأصله صدقا فهل أنت كاذب في أنك مولود ولا تدري متى ولدت ، أم هل تكذب أن بيتك مبنية ولا تعلم متى بني ؟ . 29 - لذلك فلا جواب عن هذا السؤال المتعنّت إلا قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا به إِيمانُهُمْ عنده إذ عرفوا متاه وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إمهالا أن يؤخر حتى يبقى لهم مجال إيمان ، إضافة إلى أن الإيمان عند رؤية البأس لا ينفع " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ " ( 40 : 85 ) . 30 - ولما وصلت حالتهم المتصلّبة على الكفر إلى هذا الحد من النكران فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ : دعهم لمصيرهم المنتظر وَانْتَظِرْ إياه إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ يوم الفتح حيث لا ينفعهم ، انتظارا واقعيا مهما لم يعتقدوه إذ هو ينتظر هم ، أم اقتراحيا كما يتقولون .