الشيخ محمد الصادقي
380
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
36 - فَلَمَّا جاءَ الرسول مع جموعه سُلَيْمانَ قالَ جوابا عما جاء به أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ هو في الحق وبال حين يفصل عن اللّه فَما آتانِيَ اللَّهُ من حال ومال خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ لا داعي لكم من هذه الإرسالة المالية ، إلا أنكم أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ وتمرحون : " أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ " ( 23 : 56 ) . 37 - ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ملكا ومملوكا وقل لهم فإذا هم عالون لا يستسلمون فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بدل أن يأتوني مسلمين بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها طاقة في قبالها ومقابلتها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها لا عن ملكتها فقط أَذِلَّةً أمامنا وَ الحال أن هُمْ صاغِرُونَ بعد الذل ، إذ قد يذل ولا يصغر . 38 - وكتقدمه لذلك التهديد المديد قالَ سليمان يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا الرسولي الملكي أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها أسرع منهم قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي بطبيعة الحال مُسْلِمِينَ أمامنا مستسلمين . 39 - قالَ من ملئه عِفْرِيتٌ قوي نافذ الأمر مع دهاء مِنَ الْجِنِّ * وهو طبعا من مرسلي الجن برسالة سليمان أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وعرشك ، ما تقوم فيه عاديا ، أو قدر ما يطلب قيامك من زمان وَإِنِّي عَلَيْهِ بحول اللّه وقوته لَقَوِيٌّ أَمِينٌ لا أخون ، فهل هو بعد من شياطين الجن ؟ ولكنه كان من أفضل الجن المرسلين . 40 - قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ وطبعا هو من رسل الإنس برسالة سليمان ، و " الْكِتابِ " ما كتبه اللّه له بجدارة رسولية ورسالية أن تظهر على يديه خارقة ربانية أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ وهو أقل من أقل من ثانية ، طيّا لمسافة المكان والزمان ، فهو - إذا - أفضل وأقوى من " عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ " وقد يساعد العلم طي الزمان والمكان رغم أنه لا يقدر عليه لأنه آية الرحيم " الرحمن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " * فَلَمَّا رَآهُ سليمان مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قبل ارتداد طرفه إليه قالَ هذا الواقع الآية هو مِنْ فَضْلِ رَبِّي علي في دعوتي الرسولية لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ والشاكرون قلة والكافرون كفرا أو كفرانا ثلّة " كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى " ( 96 : 7 ) وَمَنْ شَكَرَ اللّه فَإِنَّما ليس إلا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ " ( 14 : 7 ) وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكركم كَرِيمٌ في ربوبيته " وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ " ( 14 : 7 ) ذلك ، وذلك الإتيان وما أشبه هو من شؤون الربوبية ، فليس إلا من فعل اللّه بظاهر فعل من رسول أو معصوم آخر تدليلا على عصمته ، والعلم يساعد على تلك السرعة بذلك التبدل مهما لا يقدر عليه . 41 - قالَ سليمان نَكِّرُوا لَها عَرْشَها تغييرا لمعالمه مع ثبات أصله نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي هي إليه أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه من حاشيتها . 42 - فَلَمَّا جاءَتْ من مسيرة شهر وقد أتي بعرشها قبل ارتداد طرفه قِيلَ لها أَ هكَذا عَرْشُكِ الذي كنت مفتخرة به قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ مهتدية إليه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ برسالتك مِنْ قَبْلِها آية العرش ، قضية الكتاب الملقى إلي وَكُنَّا مُسْلِمِينَ لك من ذي قبل . 43 - وَصَدَّها قبل إسلامها ما كانَتْ تَعْبُدُ ه مِنْ دُونِ اللَّهِ أو صدها سليمان إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ مفروضا عليها جو الكفر أن تكفر ، والآن هي مسلمة بظهور الدليل ، ما جعل الكفر الكليل العليل . 44 - قِيلَ لَهَا بعد قولها المسلم ادْخُلِي الصَّرْحَ القصر فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ماء يفصل بينها وبين القصر ، قضية الأرضية القارورية بقصرها وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لكيلا تبتلّ قالَ سليمان إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ أرضيا وفضائيا قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .