الشيخ محمد الصادقي
354
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
32 - وَ لكي لا يتحرّج أو يتعسّر فيتعثّر ذكر أو أنثى أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وهم العزّب ذكورا وإناثا ، كما النكاح يعم المنقطع إلى الدائم لأنه نكاح كما هو ، بل والأمة أيضا فإنها تنكح بملكها ورضاها ، وهذا يعم الندب إلى الفرض حسب مختلف الحالات ، كذلك وَ " أَنْكِحُوا " الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ صلوحا لأصل النكاح ، فلا يصلح كافر لمؤمنة ولا مشركة لمؤمن ، ولا زان لمؤمن أو مؤمنة لزان ، ثم لا يصلح نكاح ل " عِبادِكُمْ " إلا إذا كانت عندهم نفقة وما أشبه ، فشرط الصلوح في العباد والإماء أكثر من الأحرار المسلمين إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ في أنفسهم يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ كأصل في كل مشكوك الكفاح اقتصاديا وَاللَّهُ واسِعٌ في إغناءهم عَلِيمٌ بأحوالهم . 33 - تلك وصية لأولياء العزّب ، ثم لهم أنفسهم كفاحا في حقل النكاح وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عفّا عن النكاح بداية ، أو عن استمراريته إن لم تكن عندهم نفقة ، وعفّا عن ثورة الجنس وشبقه بما يضعفه ، كما أن من العف النكاح المنقطع إذ تقل نفقته وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ المكاتبة للتحرر مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً في شرعة اللّه ، كأن لا يكون كافرا عند تحرره فنكبة على الجماعة المسلمة ولا وبالا عليهم ، فكلاهما شر وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ حينئذ لأداء تتمة مال الكتابة ، ولكيلا يكون كلّا على الناس ، خيرا منك كما هنا خير منه وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ انتفاعا بهن إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فإن لم يردن فلا دور لإكراه ، بل عليكم منعهن عنها ما استطعتم " لا تُكْرِهُوا " لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ لهن رَحِيمٌ بهن قضية الإكراه ، وكذلك بالنسبة لكم إن تبتم ، وهن الأصل دونكم لمكان " إِكْراهِهِنَّ " دون كرهكم لبغاءهن . 34 - وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ أحكام اللّه دون ستار ، كما وَ أنزلنا مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ شريرين وأخيارا ، منعة للطاغين وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين إذا وقوا عن شر اتقوا . 35 - اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهما الكون كله ، وهي صفة فعلية لمكان " السَّماواتِ وَالْأَرْضِ " فحياتهما وكافة مصالحهما تدبيرا وتقديرا بعد تكوين ، كلها نور من اللّه خلقا وتدبيرا وتقديرا وهدى " الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى " ( 20 : 50 ) مَثَلُ نُورِهِ لا مثله نفسه ، فهذا المثل هو ما يمثّل نور هدايته الشرعية - فقط - لا تكوينه أو تشريعه ، إنما هو النور الثالث حيث يمكن حمله لخلق كالرسل ، وإنما " مَثَلُ " مفردة والرسل عدة لأنهم يحملون رسالة واحدة ، ولأن القصد هنا إلى نور الأنوار وهو محمد صلى اللّه عليه وآله إذا ف " اللَّهُ نُورُ . . " بحقيقة النورانية لخلقه في ربوبيته ، ثم " مَثَلُ نُورِهِ " الممكن حمله لغيره ، وهو كَمِشْكاةٍ محفظة زجاجية فِيها مِصْباحٌ سراج الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ وإلى هنا مضاعف النور الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا كسائر الزيتونة بل هي لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ لحد يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وهو مادة الإنارة وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ إذا فهنا نُورٌ عَلى نُورٍ ظرفا ومظروفا ، قلب محمد ( ص ) ونور الوحي الطالع عليه يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ الخاصة كهذه مَنْ يَشاءُ الهدى فيشاءها اللّه له . . . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . 36 - وذلك المثل الأمثل لنور اللّه هو فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ البيوت المحمدية ، فهو رأس الزاوية ،