الشيخ محمد الصادقي
336
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
31 - " مَنْ يُعَظِّمْ . . " حال كونهم حُنَفاءَ لِلَّهِ معرضين عمن دونه غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ما دونه وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ سماء الفطرة والعقلية والشرعة فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ لأنه ساقط أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ يسحقه ويمحقه ، هويّا من أفق التوحيد السامق إلى درك الشرك الساحق . 32 - ذلِكَ احفظه وعظمه وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ معرفة وعقيدة وعملا فَإِنَّها : شعائر اللّه ، تعظيما إياها هي مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ومن لا يعظمها فإنها من طغوى القلوب ، و " شَعائِرَ اللَّهِ " هي مذياعات لشرعة اللّه ، ولأن الحج مذياع كله ، فكله شعائر اللّه : " إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ " ( 2 : 158 ) " وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ " ( 22 : 36 ) " لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ " ( 5 : 2 ) فهي جمع " شعيرة " من الشعور والدقة ، إضافة إلى مظاهرها التي تشعر بعظم الإسلام . 33 - لَكُمْ فِيها بهيمة الأنعام مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قبل سقوط الأضحية ثُمَّ مَحِلُّها لذبحها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ كمحور لكل شعائر اللّه ، مهما كان منى وسواها من الحرم ، ك " هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ " ( 5 : 95 ) إذ لا يذبح أو ينحر في نفس الكعبة ولا في المسجد الحرام ، أو أن " ها " في " محلها " راجعة إلى شعائر الحج كلها ، بما فيها الضحية ، حيث المركز والمحور الرئيسي لها كلها هو " البيت العتيق " فهو الوسط بين ما قبله وما بعده من شعائر اللّه . 34 - وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الرسالية جَعَلْنا مَنْسَكاً في شعائر الحج : " لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ " ( 22 : 67 ) لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ كما ذكر قبل فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ لا لسواه أَسْلِمُوا في كافة أموركم وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ المتخضعين إلى متّسع العبودية ، دون إفراط أو تفريط : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ " ( 11 : 23 ) والإخبات هو أن يدفع البعير إلى الأرض خروجا عن كبرياءه ورعونته . 35 - الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وحده وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ رهبة وهيبة للّه بما هو تحت إمرة قلوبهم وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ في سبيل وجلهم من ربهم دون تفلّت أو تلفّت وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ للّه وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في سبيل اللّه . 36 - وَالْبُدْنَ جمع بدنة وهي الإبل جَعَلْناها لَكُمْ في الحج مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ضحية وأكلا وإيكالا فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ مصطفّة للنحر فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها بنحرها فَكُلُوا مِنْها مشاركة للقانع والمعتر وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ الذي يقنع بما تطعمه وَالْمُعْتَرَّ الذي يعتري مرورا عليك دون سؤال وهو ناظر إلى عطاءك كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ شعائر وأكلا وإيكالا ، لا أن تهدروا لحومها إحراقا أو دفنا ، وهل تضحي حين تؤمر بأكل شيء وإيكاله ، ثم ولا أكل ولا إيكال : " إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ . . " كذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اللّه على ما رزقكم منها قربانا وأكلا وإيكالا ، لا : لعلكم تكفرون - بذلك التبذير الحظير . 37 - لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها رغم ما كان يزعمه المشركون ، ملطّخين البيت بدمائها ، مهدّرين لحومها للسباع ، لأنها قدمت للّه ، وإنما ينال أهل اللّه لحومها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أن تتقوا ترك التضحية ، أو تبذروا لحومها بالتضحية ، أو لا تنووا تقربا فيها إلى اللّه كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ دون طغوى التبذير وما أشبه لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ إلى مناسكه ومناهجه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ في تحقيق شعائر اللّه دون المسيئين الذين يهدرون اللحوم زعما كأن إراقة الدم هي فقط من شعائر اللّه .