الشيخ محمد الصادقي

333

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

6 - ذلِكَ العظيم من قدرته وحكمته بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ كله ، لا أنه يقاس إلى حق غيره ، فما دونه هو الباطل ، فلا حق إلا هو تكوينا وتشريعا وَ من حقه أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى نباتية وحيوانية وإنسانية من ميت الأرض وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ممكن في ذاته قَدِيرٌ قدرة على تكوين شيء لا من شيء وهو المادة الأولية ، وعلى تكوين شيء منها ، وعلى كلا الإحياء والإماتة . 7 - وَأَنَّ السَّاعَةَ القيامة آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها بقدرته وحكمته وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ميتين بصورة مطلقة ، فإنها قبور البرزخ ، لا خصوص التراب ، وكما بعث ويبعث دوما أحياء النبات والحيوان والإنسان من ميت التراب ، بل " وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ " ( 30 : 27 ) لو كان عنده هين وأهون " أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ " ( 50 : 15 ) . 8 - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ إبطالا لألوهيته الكاملة أو تشكيكا بِغَيْرِ عِلْمٍ فطري أو عقلي داخليا وَلا هُدىً خارجية بوسيط رسول وسواه وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ وحيا من اللّه ينير الدرب على ظلم المكلفين ، ولا بد في أي جدال من علم أو هدى أو كتاب منير : " وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " ( 17 : 36 ) " إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً " ( 10 : 36 ) . 9 - حال أنه ثانِيَ عِطْفِهِ يكسر عطفه وجنبه تبخترا كأنه على شيء لِيُضِلَّ بجداله المتبختر عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ السذّج العوام ، الذين لا يعرفون حجة أمام باطل الجدال ، ف لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ إذ لا حجة له في جداله ، ولا بد للناس أن يجانبوه وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ كما يحرق العقائد بجداله المبطل . 10 - و ذلِكَ الخزي والعذاب بِما قَدَّمَتْ يَداكَ طاقاتك المضلّلة وَ ب أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أن يحملهم على الضلالة ثم يجازيهم بها ظلما على ظلم كما يقول الجبابرة ، أو أن يسوي بين المحسن والمسئ ، ثوابا أو عذابا ، أو يعذب بعضا من المضلّل والمضلّل ولكلّ عذاب حسب ضلاله ، وما أشبه من ظلم مطلقا ، فإنه من الغني العليم القدير ظلّامية ، وليس فقط ظلما . 11 - وَمِنَ النَّاسِ النسناس مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ موحدا في ظاهر عبادته ، ولكن عَلى حَرْفٍ طرف هامشي دون أصالة فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ في عبادته الحرفية الجانبية اطْمَأَنَّ بِهِ بالخير لا العبادة إلا وسيلة هي وصيلة لخيره وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ وابتلاء في عبوديته انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ وحرفه ، فترك عبادته ، وكأن العبادة ثمن لخير الدنيا وشهواتها ولهواتها خَسِرَ الدُّنْيا إذ عبد اللّه فترك لشهوات منها وَالْآخِرَةَ إذ لا حقيقة ولا أصالة لعبادته ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ حيث يبين نفسه في ابتلاءات العبادات . 12 - ولأن عبادته الحرف كانت نفاقا ، إذ عند الفتنة انقلب على وجهه يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ إن ترك عبادته وَما لا يَنْفَعُهُ إن عبده ، و ذلِكَ العظيم من ضلاله هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ إذ خسر الدنيا والآخرة ، فمن يخسر الآخرة فقط فضلا له قريب مهما كان أضل من ضلال الدنيا ، فخاسرهما ضلاله بعيد عن صالح الدارين . 13 - يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لو كان في دعاءه إياه نفع لَبِئْسَ الْمَوْلى مولاه وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ حيث يعاشره في عبادته وتولّيه 14 - إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لإيمانه به جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ حيث تجن أشجارها مع بعض إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ عدلا وفضلا بحكمته . 15 - مَنْ كانَ طول الماضي يَظُنُّ ظن السوء أَنْ لَنْ مستحيلا أن يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ رغم أنه كان يظن حسن الظن أن ينصره غير اللّه ، تفضيلا رذيلا لغير اللّه على اللّه فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ذلك السبب فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ من ظنه .