الشيخ محمد الصادقي

329

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

82 - وَمِنَ الشَّياطِينِ بعضا منهم جنا أو إنسا مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في البحار لإستخراج متاع له وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ : " يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ " ( 34 : 13 ) والحال أننا كُنَّا على أية حال لَهُمْ حافِظِينَ حتى لا يشيطنوا فيما يعملون لسليمان وسواه من المخلصين ، عمالة جبرية رغم شيطنتهم ، كعلامة أن " اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ " . 83 - وَأَيُّوبَ أذكره إِذْ نادى رَبَّهُ حيث رباه ، بضره أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ " أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ " ( 38 : 41 ) ضر ومس في جسمه دون روحه إلا تبلورا في صعوبات صبره وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ دعاء ونداء دونما تصريح باستدعاء كشف الضر ، وإنما بلسان عرض الحال وهو أعلم بكل حال . 84 - فَاسْتَجَبْنا لَهُ لمحة دعاءه البارع فَكَشَفْنا كل ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ شخصيا وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ الآهلين معه حيث ابتعدوا عنه أو ماتوا وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ زوجة ثانية وولدا ثانيا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ إيانا ، فإن في الصبر وفرا هنا فضلا عن الأخرى . 85 - وَ اذكر إِسْماعِيلَ ابن إبراهيم جدك الممجّد وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ في حياتهم رسولية ورسالية كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ فيما لحقهم من الأذى في حقل الرسالة . 86 - وَأَدْخَلْناهُمْ كلهم فِي رَحْمَتِنا هنا وفي الأخرى ، ل إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ المخلصين . 87 - وَ اذكر ذَا النُّونِ يونس ( ع ) إِذْ ذَهَبَ عن جوّ الدعوة مُغاضِباً قومه إذ أغضبوه بكرور التكذيب فغضب عليهم ، فما خاف العذاب إذ بدر بدايته ذهب عنهم فَظَنَّ في ذلك الذهاب أَنْ لَنْ نَقْدِرَ من القدر تضييقا ، لا القدرة عَلَيْهِ ظن الخير إذ لم يقصّر في واجب الدعوة ، ولكن كان عليه أن يظل داعية حتى يأتي أمر اللّه بذهابه فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمه البحر وبطن الحوت ، حيث " فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ " ( 37 : 143 ) " نادى " أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ عن الظلم أن حبستني بما أستحقه إِنِّي كُنْتُ إذ ذهبت مغاضبا مِنَ الظَّالِمِينَ الناقصين حق الدعوة الرسالية ، مهما لم أكن رسولا رسميا ، إذ : " فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ " ( 37 : 147 ) فلو كان رسولا " إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً " لما كان دور بعده ل " وَأَرْسَلْناهُ . . " . 88 - فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ السجن في بطن الحوت : " فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ " ( 37 : 146 ) وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بعد ما نجوا أنفسهم عما أخطأوا . 89 - وَ اذكر زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ * بتربيته الخاصة قائلا : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً " فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا " ( 19 : 6 ) وَ الحال أنك أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ باقيا بعد موت العالمين أجمعين ، ولكن أريد وارثا رسوليا استقامة لرسالتي كما ترضاها . 90 - فَاسْتَجَبْنا لَهُ رسوليا ورساليا وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ في تلك الاستجابة زَوْجَهُ إذ كانت عاقرا وشيخة ، كما كان هو شيخا : " رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً . . . وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا " ( 19 : 4 ) إِنَّهُمْ هؤلاء الصالحون كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ مسابقين وَيَدْعُونَنا رَغَباً في الإجابة وَرَهَباً إشفاقا من اللّه وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ بكل كيانهم .