الشيخ محمد الصادقي

307

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

26 - فَكُلِي من الرطب الجني وَاشْرَبِي من النهر السري وَقَرِّي عَيْناً من ولدك السري فَإِمَّا تَرَيِنَّ حتما مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً من أهلك وسواهم فَقُولِي لهم كلمة واحدة ، بإشارة أو بلفظة واحدة إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أصمت فيه فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا مهما أكلم ربي والملائكة ، ولو كانت بقول لم يناف نذرها فإنه حتم صوم الصمت بعد قولها ، إذ لم تقل متى بداية الصوم ، فلا بد أن تكون بعد تصريحها أنها سوف تصوم « 1 » . 27 - فَأَتَتْ بِهِ المسيح قَوْمَها حال أنها تَحْمِلُهُ ف قالُوا فور إتيانها به يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا يفتري عليك بنفسه فإنه وليد دون والد . 28 - يا أُخْتَ هارُونَ البالغ في طهارته لحد لا يسلب عنه سوء ، فقد كان فوق أبيها وأمها في التقوى ، ولا يختص اسم " هارُونَ " بأخي موسى حتى يعترض عليه هنا ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ حتى تتربى عنده سيئة أو لا تمنعك عن سوء وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا حتى تربيك بغية أولا تمنعك عن بغاء . 29 - فَأَشارَتْ إِلَيْهِ إذ كانت صائمة الصمت ، فاستطاروا عجبا و قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ وحتى الآن فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا إحالة إلى محال . 30 - قالَ المسيح صبيا في المهد إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ لا إله ولا ابن اللّه ، وكما صرح في الإنجيل بكونه " عبد الله " ثمانين مرة آتانِيَ الْكِتابَ الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا فوق الرسالة ، فإن النبوة هي نبوة ورفعة في الرسالة ، وهنا " آتاني وجعلني " تنظران إلى مستقبل له دون حاله وكما تشير إليه " وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا " ( 3 : 46 ) وأما ما بينهما فلا . 31 - وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ في أصلاب آبائي وأرحام أمهاتي ، ذودا عن نسبة العهر والزنا طول الأصلاب والأرحام ، خلاف ما تقوّلوا عليه وَأَوْصانِي فيما أوصاني برسالة مستقبلة بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ركنين لعبوديته الصالحة ما دُمْتُ حَيًّا بحياة التكليف . 32 - وَبَرًّا بِوالِدَتِي المعصومة مريم ( ع ) رغم ما اتهموني بخلافه بها وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا بالنسبة لأحد ، فضلا عن والدتي ، بالرغم مما افتري عليها في الإنجيل بجبارية المسيح وشقاءه بالنسبة لها ! 33 - وَالسَّلامُ من اللّه ومن الصالحين عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ حيث ولدت مباركا وَيَوْمَ أَمُوتُ في آخر الزمان وَيَوْمَ أُبْعَثُ حشرا حالكوني حَيًّا في البرزخ فإنه ممن شاء اللّه . 34 - ذلِكَ العظيم المبارك عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لا الذي يقوله المفرطون أنه اللّه أو ابنه أو أنه اتخذه ابنه ، ولا المفرّطون أنه وليد حرام ، أعني قَوْلَ الْحَقِّ فيه ، عوانا بين إفراط وتفريط ، عيسى الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . 35 - ما كانَ ممكنا ولا لائقا لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ فضلا عن أن يلد أو يحل في إنسان فيتحد به ، حيث إِذا قَضى أَمْراً أيا كان فَإِنَّما يَقُولُ إرادة قاضية لَهُ ما قضاه كُنْ موجودا فَيَكُونُ موجودا ، فما هي الحاجة إلى اتخاذ ولد لو احتاج إليه ، ثم المجاز إنما يجوز إذا جازت الحقيقة ، وهي مستحيلة على اللّه فكذلك مجازها . 36 - وتتمة لمقاله المسيح ووقتذاك وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي حيث خلقني ورباني وَرَبُّكُمْ كما هو ربي فَاعْبُدُوهُ كما أعبده هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ دون سائر السبل . 37 - " ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الدينية هودا ونصارى مِنْ بَيْنِهِمْ في كل هذه الحقائق الجمة الثمان ، التي صرح بها في المهد صبيا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في خلافاتهم المتخلفة مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ . 38 - أَسْمِعْ بِهِمْ ما أسمعهم وَأَبْصِرْ بهم ما أبصرهم بالحق يَوْمَ يَأْتُونَنا حشرا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عن الحسنى .

--> ( 1 ) . ونذر صوم الصّمت مستمرّ في شريعتنا إذ لم ينسخه القرآن ثم ولا ينسخ بالحديث .