الشيخ محمد الصادقي
305
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
سورة مريم 1 - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كهيعص هي كسائر الحروف الرمزية التلغرافية الخاصة بصاحب الوحي ، إذ هي خارجة عن الدلالات اللفظية الوضعية العامة ، فإنها من الرموز الخاصة وهي مفاتيح كنوز القرآن . 2 - ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ وكأنه خبر ، ل " كهيعص " أو " هذا " المحذوفة أما ذا ؟ عَبْدَهُ الخاص زَكَرِيَّا ف " كهيعص " ذكره رمزيا وما يليها تفصيليا ، قد يكون أقل من الأول معنويا . 3 - إِذْ نادى رَبَّهُ نداء الفقير الفقير أمام الغني الغني نِداءً خَفِيًّا وخفاء الدعاء هو من آدابه فإنه " سَمِيعُ الدُّعاءِ " * أيا كان فلما ذا الجهر - إذا - اللهم إلا جماعيا يرغّب المجموعة بتداخل الأصوات ، أو تعليميا ف " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً " ( 7 : 55 ) " وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى " ( 20 : 7 ) . 4 - قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي رخاء في أصل البنية الجسمانية وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً رخاء في أمارات الشيبة ، ثم وَلَمْ أَكُنْ منذ كنت بِدُعائِكَ حيث أدعوك رَبِّ شَقِيًّا أشقى في دعائي متأنفا ، فقد عودتني الإجابة في فتوتي وقوتي فما أحوجني في هرمي ورخوتي رغم عدم استعدادي في شيبتي لإجابتي لولد . 5 - وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ الذين يلونني مِنْ وَرائِي بعد موتي ، ألا يلونني في رسالتي وَكانَتِ امْرَأَتِي منذ كانت عاقِراً لا تلد فضلا عن شيبتها ، فأنا عاقر مرة وامرأتي مرتين فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ هبة خاصة لدنية وَلِيًّا يليني " ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً " ( 21 : 89 ) . 6 - يَرِثُنِي مالا وحالا ، بل الحال لا تورث وإنما هو المال ، وقد يستفاد إرث النبوة على مجازيتها من وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ إذ ليس فيه إرث المال إلا في بعض الأحوال ثم وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا تناسب إرث الحال لأنه بعد إرث المال فلا يصغى إلى مختلق الحديث عن الخليفة أبي بكر عنه ( ص ) ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) إلا أن تعني أن ليس إرثنا صدقة بل هو كسائر الإرث ، ثم و " رَضِيًّا " قد تعني راضيا مرضيا . 7 - يا زَكَرِيَّا إِنَّا بجمعية الصفات الرحيمية نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى وهو يحيى رضيا نبيا مرضيا لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا مشاركا من ذي قبل في اسمه وسمته " أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " ( 3 : 39 ) 8 - قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ حائرا مستعجبا وهو الذي دعا ربه أن يرزقه " ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً " وَ الحال أنه كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً منذ كانت وَقَدْ بَلَغْتُ أنا زوجها مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ولكن " أَنَّى " هو سؤال عن زمان هذه الولادة دون أصلها الموعود له له بكل ضراعة وإصرار . 9 - قالَ اللّه كَذلِكَ العظيم العظيم قالَ رَبُّكَ هُوَ الذي وعدناك بدعائك عَلَيَّ هَيِّنٌ أصلا وزمانا وَ الحال أني قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ كخلق غلام لك وَلَمْ تَكُ شَيْئاً مذكورا ، أو شيئا ولاديا حيث خلق من آدم ولم يكن له أبوان ، أو " شيئا " هو ما قبل المادة الأولية ، ف " لَمْ تَكُ شَيْئاً " في هذه المراحل الثلاث . 10 - قالَ زكريا رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على الحمل به قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ حال كونك سَوِيًّا لا منع في لسانك ، حيث تكلّم ربك في عبادتك كما كنت وكذلك الملائكة ومن أشبه " أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً . وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ " ( 3 : 41 ) . 11 - فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ حيث كان يذكر ربه كما أمر منعزلا عن الناس فَأَوْحى رمزا إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا اللّه بُكْرَةً وَعَشِيًّا زيادة على ما كان وكما أزداد أنا على ما كنت .