الشيخ محمد الصادقي

298

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

35 - وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ إشراكا باللّه وطغيانا أن رآه استغنى على إيمانه باللّه ، والظلم بالغير راجع إلى النفس على أية حال ، مهما قصّر المظلوم في الدفاع عن نفسه ، فضلا عن قصوره فأحرى قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ الجنة أَبَداً ما دمت حيا أم وزيادة ، إذ نسي نفسه وجنته . 36 - وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً رغم وجود اللّه ربي وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً انقلابا منها إلى أفضل منها ، وكأنه أعطي ما أعطي استحقاقا رغم كفره . 37 - قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ هكذا ظالما لنفسه وهو مؤمن عادل أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ كبداية منها محاصيل النطفة ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ واحدة من ملائين الكروموزمات والأولات ثُمَّ بعد انتقالات إلى حالات سَوَّاكَ رَجُلًا تسوية عادلة . 38 - لكِنَّا " نا " جمعا ، تعني قبيل الإيمان ، أو " أنا " تعني نفسه هُوَ اللَّهُ رَبِّي وأين " أنا " من " أنا " و " ربي " من " ربي " فربك هو المال ، وربي هو رازق المال وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وقد أشركت أنت به رغم قولك " ربي " إذ لم تعدوا لفظك إلى معناها ، لقلقة لاغية باغية ، فلم تكن لها من باقية إلا باغية . 39 - وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ اعترافا بأنها من مشية اللّه لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ دون ما سواه ، و " لا حول " مستفادة من " لا قُوَّةَ " ، وفد تدل على أن للّه قوة مع كافة القوات المختارة ف ( لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ) " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " ( 57 : 4 ) إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً . 40 - فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ هنا علّه دون تحتّم ، وفي الأخرى متحتما إن متّ مؤمنا ومتّ أنت كافرا وبالفعل هنا " عسى " أن يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً عذابا محسوبا عليك هنا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ جنتك صَعِيداً تلّا خاليا زَلَقاً أملس لا كلاء فيها ولا ماء . 41 - أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها النهر غَوْراً يغور في الأرض أو إلى السماء فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً لأنه غائر رباني عذابا ، دون سائر الغور الممكن طلبه بمحاولات ، أو هو نازل من عند اللّه دون محاولة . 42 - وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ بحسبان السماء فَأَصْبَحَ بتلك الحيطة يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهر بطن عَلى ما أَنْفَقَ فِيها من مال وأعمال وَ الحال هِيَ الجنة خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها إذ أصبحت خاوية ظهر بطن " صَعِيداً زَلَقاً " كما أنذره صاحبه وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وقد عرف أن ذلك الدمار هو من خلفيّات إشراكه و " إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى " . 43 - وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ عن بأس اللّه مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لو نصرته فئة ما كانَ مُنْتَصِراً إذ لا مانع من باس اللّه إذا جاء : " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ( 6 : 17 ) " يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " ( 10 : 107 ) . 44 - هُنالِكَ في إصابة من اللّه في الأولى أو الأخرى الْوَلايَةُ نصرة وحيطة لِلَّهِ الْحَقِّ فإن اللّه ليس إلا الحق كله والحق كله هو اللّه ، دون أن يكون هنالك حق يوافقه اللّه هُوَ خَيْرٌ ممن سواه ثَواباً مطلقا وَخَيْرٌ عُقْباً في الأولى وبالأحرى الأخرى . 45 - وَاضْرِبْ لَهُمْ أولاء الأغفال مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا هو كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ حيث أنزل أصل الحياة والروح الإنساني من سماء الرحمة فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أرض البدن بكافة الشهوات والحيوانات فَأَصْبَحَ بعد ردح من الزمن هَشِيماً كسيرا رخوا بعد شدة تَذْرُوهُ تفريقا الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً .