الشيخ محمد الصادقي

291

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

87 - إِلَّا رَحْمَةً مجددة مِنْ رَبِّكَ كما جددها بعد ما أحتبس عنك الوحي ردحا من الزمن ، وتلك الرحمة الوحي هي لزام الرسالة الأخيرة إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً أكبر من كل فضل ، فكما أن الوحي الأخير هو لزام كيانك الرسولي ، كذلك هو بخيرة " رَبِّكَ " ليس ملزما عليه " إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ " . 88 - ومما يدل على ربانية القرآن روحا ربانيا قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عن بكرتهما مع بعض البعض عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لفظا أو معنى لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً لو أمكن اجتماعهم على ذلك ، وكما يشهد لذلك الامتناع تأريخ الإسلام ، حال أن مناوئيه مجدّون في إنكار وحيه ، ولكنهم فاشلون حتى في نقض كلمة منه أو إعراب أو نقطة . 89 - وَلَقَدْ صَرَّفْنا تكرارا بصيغ ممكنة مستأهلة دون إبقاء للناس في هذا القرآن من كل مثل يمثل حقه الرباني البارع ، رغم كل هارع إلى إبطاله ولن فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ النسناس إِلَّا كُفُوراً كفرا وكفرانا بتلك النعمة البارعة ، وحتى من المسلمين كفرانا بنعمته . 90 - وَقالُوا تعوّدا على آيات معجزات بصرية ومرغوبات مادية لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ هذه الْأَرْضِ القاحلة الجدباء الجرداء يَنْبُوعاً كدركة أولى من السبع المقترحة ، رغم حجة القرآن البالغة ، ولجة هذه المقترحات الماحلة الهارعة إذ ليست لتدل كما يدل القرآن على صدق هذه الرسالة . 91 - أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ وهما لبعض الأثر ياء بالطائف فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها كما فجروها تَفْجِيراً فهل هؤلاء رسل إذ حققوا هذه البغية المادية ؟ ! . 92 - أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ إذ هدّدهم بإسقاط السماء كما كان من ذي قبل عَلَيْنا كِسَفاً قطعا تفتيتا ، ولكن ليس في إسقاط السماء إلا إسقاطهم ، فأين - إذا - الإيمان ، وقد استحالوا الإيمان إلا بتحقيق هذه المقترحات الزور الغرور أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ حتى نراه ونسمعه وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا والإتيان باللّه محال في محال ، ثم على فرضه ليسوا هم ليؤمنوا باللّه . 93 - أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ذهبا ، وهو حاصل لبعض الأثرياء ، فهو - إذا - زخرف من الاقتراح أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ دون وسائل ، ثم وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ حال أن نفس هذا الرقي آية خارقة ، فما هي الحاجة إذا إلى أن ينزل عليهم كتابا يقرءونه ، والجواب عن الكل أولا قُلْ سُبْحانَ رَبِّي من هذه المقترحات ، وهي بين مستحيلة ذاتية ، أو في الحكمة ، أو ما لا يدل على رسالته ، وثانيا هَلْ كُنْتُ منذ كنت على هذه الرسالة إِلَّا بَشَراً رَسُولًا و " ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ " ( 13 : 38 ) . 94 - وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا برسالات اللّه إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى لهم إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا رغم أن حق الرسالة إلى البشر أن يكون مع بشر حتى تصح الدعوة الرسالية " يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي . . " ( 6 : 130 ) فلكلّ قبيل قبيله من رسل اللّه ، إتماما للحجة ، وإيضاحا للمحجة ، ثم وذلك إكرام للبشر أن يبعث فيهم رسول من أنفسهم ، بل وهم أفضل من غيرهم : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " . 95 - قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ فيها ساكنين لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا لوجوب المسانخة في الحكمة الرسالية . 96 - قُلْ كَفى بِاللَّهِ في كتابه شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً يشهد لهم بشرعته بما يكفيهم ، دون اقتراحات كاذبة لا تغني ف " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " ( 6 : 19 ) .