الشيخ محمد الصادقي

16

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

102 - وَاتَّبَعُوا هؤلاء النابذون كتاب اللّه ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ من سحر وكفر وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ خلاف ما تلوه على ملكه وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا بتلك التلاوة الكافرة ، حال أنهم يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وهو محرم مطلقا وَما أُنْزِلَ من السحر عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ يعلمونه لمصلحة خاصة هي مقابلة باطل السحر بإبطاله ، كما وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ بتعليم سحر فَلا تَكْفُرْ به صرفا في فساد ، ولكن هؤلاء الأنكاد فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ تعلما باطلا بدل أن يقربوا بينهما إذ فصل باطل السحر بينهما وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تكوينا في تحقيق ضر بسحر دون تشريع إذ لن يحصل أمر - أخيرا - إلا بإذن اللّه ، مهما كانت مقدماته باختيار العاملين ، ف " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ أولآء ومن يسحرونهم به ، إذ لا يستفيدون منه لإبطال سحر باطل وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ضرا ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب الرحمة وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ فاشتروا بها ما يضرهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكنهم لن يعلموا تقصيرا بما ختم على قلوبهم بما كانوا يفسقون . 103 - وَلَوْ مستحيلا باختيارهم أَنَّهُمْ آمَنُوا صدقا وَاتَّقَوْا اللّه لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لهم مما يظنون لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ خيرا من شرّ . 104 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا حيث يحرفها اليهود " لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ " وَقُولُوا انْظُرْنا ابتعادا عن مادة التحريف والليّ وَاسْمَعُوا وحي اللّه وَلِلْكافِرِينَ ليّا وسواه عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة ف " مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا " ( 4 : 46 ) . 105 - ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بحق الوحي والوحي الحق مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ كما نزل عليهم وما رعوه حق رعايته وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كما اختص الرسالة المحمدية بأفضل الوحي وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ دون ضنّة ولا بخل ولا اتباع لهؤلاء الكتابيين والمشركين النكدين . هنا ندرس أن كلاما أو عملا صالحا يتذرع به الكافر ومن أشبه إلى غير صالح ، لا بد أن يبدل إلى غيره ، ف " راعِنا " حيث يقصد به المسلم معناه الصالح : " انْظُرْنا " لا بد أن يحوّل إلى غيره ، حين يبدله اليهود ليّا ك " راعِنا " إلى معنى غير صالح ، فهي ضابطة ثابتة من الضوابط الفقهية القرآنية ، طول الزمان وعرض المكان ، دون جمود على حرفية المقام ، فالتجمد على الموارد يجمّد القرآن على حرفيات ، فتقديم الأهم في الدوران بينه وبين المهم لا حول عنه ، لا سيما وأن للمهم كما هنا مندوحة هي غيار اللفظ مع الحفاظ على المعنى .