الشيخ محمد الصادقي

4

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

17 - مَثَلُهُمْ الواقع مثال حق واقع كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً استنارة بها وإحراقا فإنه مثل النفاق فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ بغية النفاق ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ من تلك النار وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ باقية من نارهم لا يُبْصِرُونَ بغيتهم ، فهم في جحيم النار دون نور ، وهكذا نار النفاق ، فهم في النار في دار الفرار ودار القرار . 18 - صُمٌّ لا يتكلمون بُكْمٌ لا يسمعون عُمْيٌ لا يبصرون فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الحق المرام ، إذ سدوا على أنفسهم منافذ البصيرة . 19 - أَوْ كَصَيِّبٍ يصيبهم مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ كتلك النار النور ، ولكنهم يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ بذلك الصيب وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ لا يذرهم كما يعنون إلا عناء . 20 - يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ الكليلة الحيوانية ، و كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ إلى بغيتهم وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا عنه ، كما المنافق المستفيد من ضوء الإسلام ، المدبر عن مشاقّه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ حتى لا يستفيدوا من ضوءه ، تاركا إياهم في مقام الظلام دون أي ضوء ، ولكنه لليوم الآخر الجزاء ، وهنا الابتلاء إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 21 - يا أَيُّهَا النَّاسُ كأصل في الخطاب ، ومعكم سائر المكلفين اعْبُدُوا رَبَّكُمُ حيث يربيكم بخلق وتكميل ، فإنه الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ اعبدوا " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " و " خَلَقَكُمْ . . " " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " فالتقوى هي غاية العبادة والخلق ، أضلاع ثلاثة لهندسة الإنسانية العليا ، فالعبادة هي قاعدة الحياة الإيمانية غاية لخلقكم ، تنتج تقوى قدرها ، فأنتم المحتاجون إليها دون اللّه . 22 - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً على حراكها المعتدلة المعدّلة ، إذ " جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا " ( 67 : 15 ) بعد شماس وَ جعل لكم السَّماءَ بِناءً لا تسقط عليكم ، فهما مأمن لكم أمين " رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها " ( 13 : 2 ) فثمّ عمد ولكن لا ترونها وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قدر الحاجة الأرضية مهما يتداول من الأرض إليها ومنها إليها فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ بعضا ، وكلها في الجنة رِزْقاً لَكُمْ في الحياة الدنيا البلية فبعد هذه النعم الناعمة فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً له أضدادا في العبودية وسائر شؤون الألوهية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه - فقط - ربكم " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " ( 29 : 61 ) . 23 - ثم وَ بعد هذه البراهين التوحيدية ، وبرهنة القرآن نفسه على نزوله منه إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا في الخطوة الأخيرة من خطا التبيّن عن كونه وحيا من اللّه ، فإن القرآن نفسه وكتب الوحي قبله ، ورسول القرآن نفسه ، شهود ثلاثة قبلها ، دليلا على وحيه : " أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ . . " ( 11 : 17 ) فَأْتُوا بِسُورَةٍ كلمة تامة طامة مِنْ مِثْلِهِ : مثل ما نزلنا من سائر الوحي ، ومثل عبدنا من سائر العباد ، ثم وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تكذيبكم وحيه ، ريبتكم فيه . 24 - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كما لم تفعلوا وَلَنْ تَفْعَلُوا تحديا يحيل أن تفعلوا حتى القيامة الكبرى فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ المكذبون لناصع الوحي وَالْحِجارَةُ التي يعبدونها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ من أمثالكم : " إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ " ( 21 : 98 ) .