الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

86

مختصر الامثل

عبارة « هذا الحديث » في الآية الكريمة إشارة للقرآن الكريم . « مدهنون » : في الأصل من مادة « دهن » بالمعنى المتعارف عليه ، ولأنّ الدهن يستعمل للبشرة وأمور أخرى ، فإنّ كلمة ( أدهان ) جاءت بمعنى المداراة والمرونة ، وفي بعض الأحيان بمعنى الضعف وعدم التعامل بجدية . . . ولأنّ المنافقين والكاذبين غالباً ما يتّصفون بالمداراة والمصانعة ، لذا استعمل هذا المصطلح أحياناً بمعنى التكذيب والإنكار ، ويحتمل أن يكون المعنيان مقصودان في الآية . وفي آخر آية - مورد البحث - يقول سبحانه إنّكم بدلًا من أن تشكروا اللَّه تعالى على نعمه ورزقه وخاصة نعمة القرآن الكبيرة ، فإنّكم تكذّبون به : « وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ » . فَلَوْ لَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْ لَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 87 ) عندما تصل الروح إلى الحلقوم : تكملة لأبحاث المعاد والردّ على المنكرين والمكذبين فإنّ القرآن الكريم يرسم لنا صورة معبّرة ومجسّدة لهذه اللحظات حيث يقول سبحانه : « فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ » ولا تستطيعون عمل شيء من أجله . والمخاطبون هنا هم أقارب المحتضر الذين ينظرون إلى حالته في ساعة الاحتضار من جهة ، ويلاحظون ضعفه وعجزه من جهة ثانية ، وتتجلّى لهم قدرة اللَّه تعالى على كل شيء ، حيث إنّ الموت والحياة بيده ، وأنّهم - أي أقاربه - سيلاقون نفس المصير . ثم يضيف سبحانه : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلكِن لَّاتُبْصِرُونَ » . نعم ، نحن الذين نعلم بصورة جيّدة ما الذي يجول في خواطر المحتضر ؟ وما هي الإزعاجات التي تعتريه ؟ نحن الذين أصدرنا أمرنا بقبض روحه في وقت معيّن ، إنّكم تلاحظون ظاهر حاله فقط ، ولا تعلمون كيفية انتقال روحه من هذه الدار إلى الدار الآخرة . ثم للتأكيد الأشد في توضيح هذه الحقيقة يضيف تعالى : « فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . إنّ ضعفكم هذا دليل أيضاً على أنّ مالك الموت والحياة واحد ، وأنّ الجزاء بيده ، وهو الذي يحي ويميت .